|
|


محمد المسحل
لا تثبّت قدميك
2022-09-30
أسدَيت لأحد الأصدقاء الذي تقلَّد منصبًا قبل سنوات نصيحةً عندما قال: هل لديك نصيحةٌ لي؟ حيث أجبته: نعم، بكل تأكيد. ونصحته بالقول: “المناصب عبارةٌ عن حزمة من المسؤوليات، وكراسي كل مناصب الدنيا هي كراسي دوَّارة، تتحكَّم بدورانها دورةُ الزمن الخاضعة لأمر الله تعالى، ولا يتأذّى من دوران هذا الكرسي الدوَّار مثل مَن لف حوله ساقيه، وثبَّت تحته قدميه، ظنًّا منه بأن ذلك يديم جلوسه عليه، لذا كُن متأهبًا للتغيير دومًا، ولا تنَم وأنت ضامنٌ غدك أبدًا!”.
يؤلمني كثيرًا عندما أرى بعض المسؤولين بشكل عام، وفي القطاع الرياضي خاصةً، وهم يتعاملون مع محيطهم بطرح ينمُّ عن جهلهم الكبير بطبيعة كراسيهم، وقد يكون ذلك ليس جهلًا بقدر ما يكون بسبب سكرة ونشوة المناصب ومسمَّياتها، لدرجة أن منهم مَن لا يتحمّل حتى النقد الهادف والمهني لعمله، أو عمل مؤسسته، ويتعاطى مع هذا النقد بطريقة فيها من التهكُّم المباشر وغير المباشر ما يزيد من ألمي آنف الذكر.
يقول ابن حزم الأندلسي: “مَن تصدر لخدمة العامة، فلا بد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم، حتى وإن واصل الليل بالنهار”. بمعنى أن مَن يرضى بالعمل في قطاع عام عليه أن يصبر على أذى ذوي العلاقة بعمله، وعلى سلبيات طبيعة عمله من باب الصبر واحتساب الأجر، لذا من الأجدر بك بوصفك مسؤولًا أن تتحمَّل انتقاد الآخرين لعملك، أو عمل مؤسستك، وتتقبَّل ذلك برحابة صدر، مستذكرًا الطبيعة الدوَّارة للكرسي الذي تجلس عليه، وتتفهَّم هذا النقد بوصفه أداةً لتقويم عملك، بدلًا من ترصُّد الزلل والخلل في منتقديك للرد عليهم بموشحات تزخر بالتهكّم المباشر وغير المباشر، الذي يعكِّر مزاج مَن يقرأه وهو يتوقَّع مستوى أكبر من الرصانة المهنية عند الرد على الآخرين في شأن عام، سمح لهم النظام بانتقاده بكل تأكيد.
إن من أهم المظاهر الحضارية التي يجدر بالمسؤول أن يتحلَّى بها إيمانهُ الكامل بأنه “لا يعرف كل شيء”، وأنه وزملاءه “غير معصومين من الخطأ والزلل”، وهذا يتضح جليًّا في طريقة التعاطي مع المنتقدين، مصيبهم ومخطئهم، من خلال الحرص على التتبُّع المهني لطرحهم، والإنصات لهم، ووضع الاحتمال أن بعض أو كل كلامهم صحيح، ويستحق العمل على إصلاح الخلل، وليس بالرد عليهم بما يشبه المبارزات الإعلامية، وفرد عضلات البلاغة اللغوية.
من المروءة بمكان وزمان، أن يستذكر الإنسان قبعته التي كان يلبسها سابقًا، والأخرى التي يلبسها الآن، بل وتلك الموجودة في علم الغيب، التي سيلبسها بعد أن يدور كرسيّه.