ديالو.. من زقاق الفقر إلى مسرح الأحلام

الرياض ـ إبراهيم الأنصاري 2026.01.06 | 09:30 pm

لا يشبه أولئك الفتية الذين يكتفون بالركض السريع على الخطوط، ولا يجسد صورة الجناح التقليدي الذي يحمل إرث القوة البدنية الإفريقية الخالصة، بل هو مزيج فريد من المرونة العاجية والذكاء التكتيكي الأوروبي، يداعب الكرة كأنها جزء من جسده، متسلحًا برؤية ثاقبة تجعل من مراوغاته القصيرة في المساحات الضيقة كابوسًا للمدافعين، وعلى غرار رفاق دربه في أحياء أبيدجان الصاخبة، يؤمن أنَّ كرة القدم ليست مجرد وسيلة للعيش، بل هي العهد الذي قطعه على نفسه منذ أن كان يركض حافي القدمين في شوارع كوت ديفوار المتربة، محاولًا الهروب من واقع الفقر المرير نحو بريق الملاعب العالمية.
وُلد أماد ديالو في 11 يوليو عام 2002 في مدينة أبيدجان، العاصمة الاقتصادية لساحل العاج، تلك المدينة التي تضج بالحياة وتنبض بشغف الكرة، حيث نشأ في عائلة لم تكن تملك سوى الأمل، قبل أن تقوده أقدار الهجرة إلى الأراضي الإيطالية وهو في العاشرة من عمره، ليستقر في «بيبيانو» التابعة لإقليم إميليا رومانيا، هناك بدأت تظهر ملامح الموهبة التي لا تخطئها العين، ففي الوقت الذي كان فيه أقرانه ينشغلون بألعاب الطفولة، كان أماد يضع حلمه في حقيبته الصغيرة متوجهًا إلى نادي «بوكا باركو» المغمور، ليخطف الأنظار بمجرد لمسه الكرة، ما دفع كشافة نادي أتالانتا للتحرك سريعًا لضم الجوهرة السمراء إلى أكاديميتهم الشهيرة في برجامو، حيث وصفه النقاد لاحقًا بأنه الفتى الذي يسبق عقله قدميه.
ارتبط ديالو بالمستطيل الأخضر ارتباطًا وثيقًا، ففي بداياته مع أتالانتا، كان يقضي ساعات إضافية في صالة الألعاب الرياضية لتطوير بنيته الجسدية الهزيلة، حتى أنه كان يرفض العودة إلى المنزل قبل إتقان حركة جديدة أو تسديدة محكمة، وقد روى في حوارات سابقة كيف أنَّ الانضباط كان رفيقه الأول، حيث ضحى بالكثير من رفاهية المراهقة من أجل نيل فرصة في الفريق الأول، ليكون أول لاعب من مواليد 2002 يسجل هدفًا في الدوري الإيطالي خلال ظهوره الأول أمام أودينيزي، وهو الإنجاز الذي وضعه على رادار كبار القارة، لتبدأ معها رحلة صعود صاروخية انتهت بانتقاله التاريخي إلى مانشستر يونايتد الإنجليزي في صفقة تجاوزت الـ37 مليون يورو، محققًا بذلك حلمًا كان يراه والده بعيد المنال.
يدين ديالو بالفضل لشقيقه حامد جونيور تراوري، لاعب بورنموث، الذي كان شريكه في رحلة الكفاح من إفريقيا إلى أوروبا، حيث تنافسا معًا في الملاعب الصغيرة بفرنسا وإيطاليا، قبل أن يشق كل منهما طريقه الخاص، ومن اللحظات المؤثرة في مسيرته حرصه الدائم على رد الجميل لعائلته، فبمجرد توقيعه لعقده الاحترافي الكبير، عمل على تأمين حياة كريمة لوالديه اللذين عانيا الأمرين في سبيل إيصاله إلى منصات التتويج، ومع ذلك، لم تخلُ مسيرته من التحديات، فقد واجه صعوبات بالغة في بداية مشواره مع «الشياطين الحمر»، حيث وجد نفسه مضطرًا للخروج في إعارات إلى رينجرز الإسكتلندي وسندرلاند، باحثًا عن دقائق لعب تثبت أحقيته بارتداء القميص رقم 16، وهي الفترة التي اعتبرها بمثابة الاختبار الحقيقي لصبره وقدرته على تحمل ضغوط الدوري الإنجليزي الممتاز.
على صعيد التحديات الإدارية، لا ينسى أماد الجدل الذي صاحب قضية أوراقه الثبوتية في إيطاليا، التي كادت أن تعصف بمسيرته قبل أن تبدأ، حيث خضع لتحقيقات طويلة بشأن قانونية انتقاله من ساحل العاج، وهي الأزمة التي انتهت بفرض غرامة مالية عليه، لكنها لم تمنعه من مواصلة التألق وإثبات انتمائه للقميص البرتقالي لمنتخب «الأفيال»، حيث قاد منتخب بلاده في أولمبياد طوكيو، محققًا هدفًا حاسمًا أمام السعودية عزَّز من مكانته كأحد أبرز المواهب الصاعدة في القارة السمراء، وفي تقارير فنية عديدة، تمت مقارنته بمواطنه نيكولاس بيبي في سلاسة الحركة، إلا أنَّ الكثيرين يرون فيه نسخة مصغرة من أسلوب ليونيل ميسي في التحكم بالكرة وتغيير الاتجاه المفاجئ، وهو ما أكده بوضوح خلال هدفه القاتل في مرمى ليفربول بكأس الاتحاد الإنجليزي، الذي أعاده لواجهة الأحداث العالمية.
يهوى أماد متابعة الأفلام الوثائقية الرياضية، ويقضي أوقات فراغه في لعب الألعاب الإلكترونية ومتابعة خطوط الموضة، حيث يفضل ارتداء الملابس الرياضية الأنيقة، كما يحرص على تناول الوجبات الإفريقية التقليدية التي تذكره بجذوره، خاصة طبق «أتشيكي» العاجي الشهير.
يحافظ الفتى الإيفواري على تعاليم الإسلام ويبتعد عن وسائل التواصل أحيانًا خلال رمضان للتركيز على الصيام، يحتفظ بحياته الخاصة بعيدًا عن الأضواء ولا يتحدث عن زواج أو أولاد، يركز على كرة القدم كأولوية، يهوى مشاهدة مباريات الدوري الإنجليزي وتقليد حركات اللاعبين المراوغين، يخاف من يوم الاعتزال ويحلم بالمشاركة في كأس العالم مع ساحل العاج ولو لدقيقة واحدة.