أحمد الحامد⁩
من موائد الشعوب
2026-01-09
كنت شابًا ولا يهمني ألذ طعام، سندويشة جبنة كافية لطاقة الجسم، لذا كنت أستغرب من الذين يهتمون بالطعام، ويبحثون عن المذاقات الجديدة، ويجربون المطاعم المشهورة بطبق معين. مع الوقت بدأت أفكاري تهدأ، ونظري وإن ضعف أصبح يميّز بصورة أفضل، اكتشفت أنَّ الطعام اللذيذ من متع الحياة، وفن قائم له مواهبه ومشاهيره وسحرته، وأن الطاهي الجيد يوقف طوابير الناس خارج مطعمه حتى في الطقس السيئ.
فهمت أنَّ الشعوب تقدّر أطباقها وتعتبرها من مميزاتها عن الآخرين، أنا أحب الكبسة المعدة بمهارة، ولو جاءني أجنبي وقال عن الكبسة إنها غير جيدة سأرد عليه بأنه هو غير الجيد، ولا يفهم، وربما سأكن له شيئًا من البغض غير المحسوس. تحب الشعوب أطعمتها وتذهب بها بعيدًا عن مسألة الأكل والشبع، المكسيكيون يقولون عن التاكو «التاكو ليس طعامًا.. إنه أسلوب حياة»، وقالوا لمعرفة وضع البلد اقتصاديًّا «يمكنك معرفة حال المكسيك من حال التاكو». المعكرونة في إيطاليا لها احترامها وتقديرها وكأنها كائن فاضل يعيش بينهم، قالوا في المعكرونة «الحياة مزيج من السحر والمعكرونة» وقالوا عن الثقة «لا يمكن الوثوق بمن لا يحب المعكرونة» ولحل خلافاتهم «في إيطاليا الخلافات العائلية تحل على مائدة المعكرونة».
أعتقد أنَّ الإيطاليين صبورون وإن بدؤوا جدليين ويحركون أيديهم كثيرًا أثناء نقاشاتهم وأصواتهم العالية، لو لم يكونوا صبورين لما استطاعوا تحويل مبانيهم إلى تحف فنية يملؤها النحت الدقيق، ولما أصبح لدى منتخبهم قدرة طويلة على الدفاع المتواصل عن مرماه حتى عرفوا بالدفاع الصلب. ولأنهم صبورون قالوا عن المعكرونة ومحبتهم لها «المعكرونة لا تؤكل على عجل.. لأنها تعلمك الصبر». في فرنسا يعتبر الطعام والمقهى جزء من الحياة، أذكر أن ابني الصغير قال وأنا متوجه إلى المطار نحو باريس «لا تنسَ تجربة أنواع الكرواسون والباجيت». ابتسمت دون أن أفكر فيما قال، لكني صرت أتذكره كلما تناولت الكرواسون والباجيت الفرنسي بأنواعه اللذيذة والعجيبة. يحب الفرنسيون مخبوزاتهم لدرجة أنهم قالوا «الخبز الجيد هو أساس السعادة اليومية».
الفرنسيون جدليون بطبعهم، كثيرو التذمر بقدر أطباق طعامهم اللذيذة، في كل بلدة هناك نوع من أنواع الجبنة، وكل بلدة تقول إن جبنتها الأفضل، وعندما أراد شارل ديجول وصف صعوبة حكم الفرنسيين قال ساخرًا «كيف تحكم بلدًا يملك أكثر من 300 نوع من الجبن؟». في الهند طعام لذيذ، لكن عليك اختيار المكسب المناسب لتناوله، هم من أسياد البهارات، هم لا يرونها منكهات طعام فقط، إليكم أجمل وصف سمعته قاله الهنود في البهارات «البهارات ليست نكهة فقط.. إنها ذاكرة» ذكرتني مقولتهم بالعطور والذاكرة التي تسجلها للأماكن والأشخاص. قالوا عن البهارات أيضًا «الطعام بلا بهارات.. جسد بلا روح».
لا أعرف من بدأ بإعداد الكباب، أصبح اليوم وجبة عالمية بسبب هجرة الشرق أوسطيين إلى أوروبا وأمريكا، أحب الكباب الحلبي لأنه قليل الشحوم، الكباب العراقي لذيذ أثناء تناوله، لكنه ثقيل على المعدة لاحقًا بسبب كثرة شحومه. الأتراك لديهم أنواع من الكباب، يرونه كما يرى الإيطاليون أهمية المعكرونة في حياتهم، قال الأتراك في الكباب «الكباب الجيد لا يحتاج إلى إعلان» كلامهم صحيح.. عندما يكون هناك طعام جيد تتحوَّل أفواه الناس إلى إعلان مجاني للمطعم. يرون أن ليس كل الناس يفهمون في الكباب، ولا كل الذين يعدونه يفهمون إعداده «من لا يفهم الكباب لا يفهم الصبر». في الصين يعتبر الأرز والشاي نجمي المائدة الرئيسة الصينية، كل ما عليها متحرك إلا الأرز والشاي ثابتان «الأرز طعام الجسد، والشاي طعام الروح». مرت الصين بظروف قاسية، الاحتلال الياباني لها كان صفحة من صفحات القسوة والبلطجة، شاع الفقر وجاع الناس، وكان الأرز وفيًا لهم في أوقاتهم الصعبة «إذا كان لديك أرز، فلديك يوم آخر».