كاراسكو.. رسالة «آكل الخيول» تحسم كل شيء
في يوم عادي، بعيدًا عن صخب الكاميرات والمؤتمرات، جلس الدولي البلجيكي يانيك كاراسكو، جناح فريق الشباب الأول لكرة القدم أمام جهاز الكمبيوتر وكتب بريدًا إلكترونيًا رسميًا إلى إدارة النادي.
كلمات قليلة، واضحة، مهنية، لم تكن فيها دراما ولا عاطفة زائدة، مجرد إخطار بتفعيل بند التمديد التلقائي لعام إضافي، كما نص عليه العقد الأصلي الذي وقّعه قبل ثلاثة أعوام.
لعب أكثر من نصف مباريات الموسم الأخير، فتحقق الشرط، وامتد العقد بنفسه، كأن اللاعب والورقة اتفقا مسبقًا على أن يبقى.
في غرفة الملابس، عندما علم زملاؤه، لم يكن هناك احتفال صاخب، مجرد نظرات تقدير، ابتسامات هادئة، وتعليق من أحدهم بالعربية الممزوجة بالإسبانية: «يا رجل... أنت ما زلت هنا».
رفع يانيك كتفيه ببساطة، كعادته، ثم انحنى ليربط حذاءه استعدادًا للتمرين.
لم يكن يبحث عن أضواء إضافية أو وداع درامي، كان يريد فقط أن يستمر يلعب، يجري، يصنع الفرص، يسجل الأهداف... طالما استجاب الجسد، وطالما آمن «الليث» به.
في الثانية والثلاثين من عمره، كان جسده لا يزال قادرًا على الجري، وقلبه مليئًا برغبة في إثبات أن الرحيل عن أوروبا لم يكن نهاية الطريق، بل بداية فصل جديد يحمل توقيعه الخاص.
على أرض الملعب، عاد يتحرك كما اعتاد دائمًا، خطوات سريعة، تمريرات متقنة، تسديدات من زوايا صعبة.
قبل أيام من التمديد، لاحقته صافرات استهجان من بعض الجماهير طوال مباراة النجمة التي انتهت سلبية النتيجة، احتجاجًا على أداء «الليوث».
بعد الصافرة النهائية، اقترب كاراسكو من المدرجات غاضبًا، وجه إشارة «السكوت» بيده، مطالبًا بالهدوء.
اندلعت مشادة كلامية، وتداولت الفيديوهات على منصات التواصل، ما أثار غضبًا أكبر بين الجماهير.
لاحقًا، شرح كاراسكو موقفه بهدوء نسبي: «كان هناك 4 أو 5 أشخاص فقط يقومون بإشارات مسيئة طوال المباراة.. لم أتقبل الهجوم على اللاعبين جميعًا».
كان استياؤه واضحًا من تصرفات قلة، لكنه لم يترك النادي؛ بل اختار الاستمرار، كأن هذه اللحظات ـ رغم قسوتها ـ جزء من التحدي الذي جاء ليواجهه.
موسم تلو الآخر، خاض 64 مباراة، سجل 22 هدفًا، وصنع 16 تمريرة حاسمة.
قصة يانيك لا تبدأ من الرياض، بل تعود إلى جذور أعمق، في بلدة فيلفورد البلجيكية الصغيرة، حيث يُلقب أهلها بـ«آكلي الخيول» لأن لحم الحصان كان طعامهم المفضل.
ولد يانيك فيريرا كاراسكو في الرابع من سبتمبر 1993، من أب برتغالي وأم إسبانية.
تخلى والده عن العائلة في سن مبكرة جدًا، تاركًا الأم كارمن تواجه وحدها تربية يانيك وشقيقه الأصغر.
كانت كارمن كل شيء بالنسبة له، عملت في وظائف شاقة متعددة، سكنت في أحياء فقيرة، لكنها لم تتوانَ عن دعم شغف ابنها بكرة القدم.
يقول يانيك عنها: «أمي مهمة جدًا بالنسبة لي.. كانت دائمًا متأكدة أنني سأصبح لاعبًا دوليًا مع بلجيكا. أنا مدين بكل ما أملك تقريبًا لها. لم ألتقِ والدي منذ خمسة عشر عامًا.. كان الأمر صعبًا عليها كأم عازبة، لكنها منحتني كل فرصة لأكون لاعب كرة قدم.. أنا ممتن لها إلى الأبد.. إنها كل شيء بالنسبة لي».
من هناك، قرر يانيك أن يتخلص رسميًا من اسم «فيريرا»، لقبه الأصلي، تعبيرًا عن شعوره بالخذلان، فأصبح يُعرف بيانيك كاراسكو فقط.
أدركت الأم موهبة ابنها مبكرًا، فسمحت له بترك الدراسة ومغادرة فيلفورد إلى بروكسل للانضمام إلى أكاديمية جينك، إلى جوار الشاب كيفن دي بروين.
عاش بعيدًا عن أمه مع عائلة مضيفة، ثم في السادسة عشرة انتقل إلى موناكو الفرنسي.
هناك، لاحظته عيون كلاوديو رانيري، ثم صعد مع ليوناردو جارديم إلى الفريق الأول، وسط نجوم مثل برناردو سيلفا ورادميل فالكاو وجيمس رودريجيز.
سرعان ما أصبح نجمًا، فاختار العودة إلى إسبانيا، موطن والدته، وارتدى قميص أتلتيكو مدريد.
كانت والدته من مشجعي ريال مدريد المتعصبين، لكنها شاهدت ابنها يلعب مع الغريم، فقررت الانحياز إليه.
تقول: «ذهبت إلى البرنابيو مرات عديدة، والجميع يعرف ذلك.. سيكون غريبًا الجلوس في مدرجات فيسنتي كالديرون، لكنني أدعم ابني أولًا وقبل كل شيء.. الآن سأشجع أتلتيكو حتى الموت».
في الرياض، يثبت يانيك الطفل الذي تركته الحياة مبكرًا دون أب، أنه ابن أم قوية، قصته لم تنتهِ بعد.