تمنيت في أحد الأيام لو كنت طائرًا، أطير متى شئت، وأذهب إلى حيث أريد، لا التزامات مالية شهرية، ولا حياة مادية يضع الإنسان نفسه فيها، فأكثر الناس في زمننا هم زبائن للشركات التجارية والبنوك، بينما لا يحتاج الطائر إلا لطعام وإلى عش صغير في حال وجد شريكة لحياته. بقيت الأمنية المستحيلة في خيالي عدة أيام، أعرف أنها مجرد فكرة قد تبدو طريفة، لكني عندما تعمقت فيها، وجدت أن الطائر يواجه تحديات أكبر مما كنت أظن، فهو معرض للموت من شدة البرد، ومن العطش، ومن هجمات الطيور الجارحة، وهذا ما يحدث للكثير من الطيور، وفي حال أني أصبحت صقرًا قويًا فهناك تحديات تواجهها الصقور، من أهمها أنها معرضة للموت جوعًا، فليست في كل المناطق فرائس للصقر، وصغار الصقور تموت إن فشل الأبوان في الصيد، والكثير من الصقور تموت تسممًا بسبب المبيدات الزراعية التي تنتقل عبر الفرائس، وتموت الصقور بالاصطدام بخطوط الكهرباء أثناء الانقضاض. أما المباني الزجاجية فهي فخ كبير للصقر، لأنها تعكس انعكاسًا خادعًا للسماء والسحب، والصقر المسكين يظنها سماء فيحلق نحوها ثم يصطدم بها ويموت مباشرة، أو يسقط جريحًا حتى الموت. بعد هذه النتائج تخلصت من الفكرة بشكل كامل، حتى رحت أصف للأصدقاء المخاطر الكبيرة والكثيرة التي تتعرض لها الطيور في حياتها. بعد سنوات تذكرت الأمنية وتساءلت عن السبب الحقيقي الذي جعلني أفكر فيما لو كنت طائرًا، وتوصلت إلى أن الفكرة الأمنية لم تكن إلا عجزًا وهربًا من حالة أنا من صنعتها لنفسي، وجدت أني غفلت عن كل النعم التي رزقني بها الله، ورحت أبحث عن أشياء أخرى سببت لي ضغوطًا، لم أكن بحاجة لها أصلًا، وعندما تعثر تحقيقها وضعت نفسي في دائرة ضيق ابتكرتها لنفسي، حتى وصلت للحالة التي جعلتني أتمنى أن أكون طيرًا!، لا تفسير آخر عندي سوى أن بعض الأفكار هي مجرد طمع مغلف بأسماء مثل الأمنيات والطموح.