السريحي.. انطفأت الحياة وبقيت الأقواس مفتوحة
رحل الدكتور سعيد السريحي بعد مسيرة طويلة ممزوجة ما بين الثقافة والصحافة، صاحب الكتابة خارج الأقواس، وغواية الاسم، وحجاب العادة، الكاتب الصحافي الذي ملأ حضوره المشهد الثقافي، وكان قلمه حاضرًا بالقدر نفسه.
ولد سعيد السريحي بحي الرويس في جدة عام 1953، إذ بدأت حكاية الطفل الذي كان يعود من المدرسة محمّلًا بكتب تفوق عمره، وبأسئلة لا تنتهي، درس المراحل الدراسية في جدة، ثم اتجه إلى مكة المكرمة ليكمل تعليمه الجامعي والدراسات العليا في اللغة العربية بجامعة أم القرى.
قضى 20 عامًا في التعليم، منها 18 عامًا في جامعة أم القرى، لكنه لم يكتفِ بدور الأستاذ، كانت الصحافة تنتظره، وكانت «عكاظ» هي بوابة العبور، بدأ متعاونًا، ثم مشرفًا على الأقسام الثقافية والمحلية والدولية، حتى أصبح مساعدًا لرئيس التحرير ونائبًا مكلفًا لرئيس التحرير، وامتد عمله الصحافي ثلاثة عقود.
وحين تقاعد في شعبان 1433، لم يقف عن العمل الصحافي، اتجه وكتب في زاويته اليومية «ولكم الرأي» التي عبرها واصل الجدل الجميل الذي أحب أن يخلقه في المشهد الثقافي، وكأنه يقول: «أنا باقٍ ولكن خارج الأقواس»، ولم يكن هذا التعبير مجرد استعارة، فقد تحول لاحقًا إلى عنوان لسيرته الذاتية التي خط فيها قصة حياته ورحلته مع المعرفة.
ترك السريحي بصمته في نادي جدة الأدبي الثقافي، مشرفًا على حلقته النقدية، ورئيسًا لتحرير مجلة «علامات»، ومشاركًا في عشرات المؤتمرات والمنتديات داخل السعودية وخارجها، كان مثقفًا عابرًا للعواصم العالمية، حضر في بغداد والكويت وتونس والرباط وباريس ودمشق، وغيرها، يحمل معه سؤال النقد وتجربة الكتابة وعمق الفكر.
وأصدر الراحل عددًا من الكتب، التي أصبحت مرجعًا في النقد والسرد والفكر، مثل شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد، والكتابة خارج الأقواس: دراسات في الشعر والسرد، وتقليب الحطب على النار: دراسات في السرد، وحركة اللغة الشعرية: مدخل لقراءة شعر المحدثين في العصر العباسي، وحجاب العادة: أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، وغواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم، وكتب أخرى تنتمي إلى عالمه الذي يجمع بين اللغة والتاريخ والتحليل العميق.