حاولت ضبط كمية الحلويات التي يأكلها الأولاد في البيت لكني فشلت، في كل مرة أردد عليهم نفس الكلمات: كثرة الحلويات ستضركم. وكانوا في كل مرة يهزون رؤوسهم علامة على اقتناعهم. آخذ منهم التعهدات الجديدة، وأقول لهم إني أثق فيهم. اعتمدت على فهمهم، واتضح لي أن فهمهم كان أقل من مقاومتهم، وأنهم حتى وإن التزموا في الكمية المحددة لعدة أيام، سرعان ما يعودون لعدم الانضباط والفوضى. تذكرت نفسي عندما كنت في نفس عمرهم، لم تكن هناك رقابة ولا تحذيرات من خطورة تناول الحلويات بكثرة، البقالة قريبة، والحلويات لذيذة، لذا لم أتوقف عن تناولها كلما سنحت الفرصة، وأذكر أني تناولتها مرة بين شوطي مباراة في عز الصيف! كان تاريخي في تناول الحلويات هو الدافع الأول لتقديم النصيحة لهم بشكل مستمر، لكي لا يخطئوا كما أخطأت، وهو أيضًا الذي جعلني أنصحهم بهدوء وتودد. أخيرًا فهمت أن طريقتي في ضبط كمية ما يتناولونه فاشلة، وأنهم مثل الأكثرية، لن ينضبطوا إلا بالمنع أو بالقوانين الصارمة، وإن الاعتماد على الضمائر رهان خاسر في العموم، لأنها غير متساوية، وبعض النفوس قد تبرر للإنسان عدم انضباطه، بل وقد تصور له أنه على حق. كل التجارب تقول إن القانون الصارم هو من يجعل العامة منضبطين، ليس أدبًا بل خوفًا من السجن أو من الغرامات المالية. بعض الدول التي جرت فيها اضطرابات وفقدت الحكومات سيطرتها سادت فيها الفوضى مباشرة، وظهر فيها بلطجية كانوا قبل فقدان الأمن منضبطين، أو بصورة أدق.. خائفين. ربما سأضطر لأفعل مع الأولاد ما كنت أراه وأنتقده في طفولتي، كنت أشاهد صندوقًا مقفلاََ بقفل حديدي ومفتاحه بيد الأم، كنت أشاهد ذلك الصندوق المخصص للحلويات في بعض بيوت أصدقاء الطفولة، لم يكن يعجبني ذلك، وكنت أراه بخلاََ، لكني فهمت الآن أنه كان حلاََ جيدًا، وأنهم لجؤوا إليه عندما فشلت النصائح والتحذيرات، وبعدما فهموا أن أطفالهم أساؤوا الحرية التي منحت لهم وأصبحت مضرة، وكما قال الفيلسوف الإيرلندي إدموند بيرك «الحرية إذا لم تُضبط بالقانون تتحول إلى فوضى».