خالد الشايع
الواقع.. نار الأجنبي ولا جنة المحلي
2026-03-19
تتجدَّد التساؤلات مع كل جولةٍ حول الأسباب التي تدفع الأندية السعودية إلى المطالبة بالحكم الأجنبي، والإصرار عليه خاصَّةً في المباريات الحاسمة على الرغم من التكاليف الباهظة.
والإجابة تكمن في أن الحكم الأجنبي، بوضوحٍ تامٍّ، يظلُّ أقلَّ أخطاءً من نظيره المحلي بمراحل، وهو ما يجعل «بعض» الأندية ترفع شعار: «نار الحكام الأجانب ولا جنة الحكم المحلي»، تلك الجنة المزعومة التي لم يقدِّم القائمون عليها أسماءً جديدةً، أو وجوهاً شابةً، تكسر احتكار الأسماء ذاتها التي عرفناها منذ حقبة سنواتٍ.
بلا شك، أن الحديث عن مستوى الحكم المحلي لا يمسُّ نزاهته، أو أمانته، أو أخلاقه، فهذه أمورٌ لا جدال فيها، لكنْ المشكلة الحقيقية تكمن في «ضعف الشخصية»، والتردُّد، فالمشاهد يرى حكمًا مهزوزًا، يخشى اتخاذ القرار، ويتحاشى إشهار البطاقات المستحقة، ويقبل الإساءة من اللاعبين دون ردعٍ قانوني، ما يثير شفقة المتابع عليه بدلًا من احترامه لهيبة قراره.
هذا الاهتزاز ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج سنواتٍ طويلةٍ من الضغوط النفسية، والهجوم الشخصي العنيف في كثيرٍ من الحالات، وحملات التجييش التي تمارسها الأندية ضد الحكام، ومن المستحيل أن نطلب من حكمٍ تعرَّض لكل هذا «الجلد» الإعلامي أن يكون فجأةً بمعزل عن الضغوط، أو أن يتخذ قراراتٍ حياديةً بدمٍ باردٍ.
ولنا في واقعة الحكم محمد الهويش في أبو ظبي خير مثالٍ حيث شهد الجميع ردة الفعل العنيفة تجاه قرارٍ صحيحٍ ومنطقي، اتَّخذه ضد قائد النصر كريستيانو رونالدو، وطرده المستحق للسلوك المشين، إذ لا يوجد حكمٌ يرغب في تكرار مثل هذه التجربة المريرة، وهنا تقع الملامة الكبرى على الاتحاد السعودي لكرة القدم، ولجنة الحكام التي فشلت في حماية منتسبيها، وتركتهم في «وجه المدفع» يواجهون سياط النقد، والاتهامات وحيدين.
لهذا السبب، تفضِّل الأندية المنافسة على البطولات الحكم الأجنبي، ليس لأنه معصومٌ، بل لأنه قادمٌ من خارج الشارع الرياضي، ولا تعنيه الصراعات المحلية، ولا يتأثر بالضغوط الجماهيرية.
مع ذلك، تظهر مشكلةٌ أخرى، تتمثَّل في «سوء الاختيار» حيث تستقطب اللجنة أحيانًا حكامًا مغمورين من دولٍ ذات دورياتٍ ضعيفةٍ، لا تليق بمستوى وقيمة الدوري السعودي، وهذا ما يفسِّر مضمون بيانات نادي الهلال المتكررة التي تؤكد أن المشكلة ليست في «جنسية» الحكم، بل في «المعايير» التي يتم بناءً عليها اختيار هؤلاء الحكام.
إن استقطاب طاقم تحكيمٍ أجنبي كاملٍ يكلف نحو 450 ألف ريال، وهو مبلغٌ ضخمٌ، يستوجب إحضار حكامٍ على مستوى الطموح، ففي مواجهة الهلال والفتح الأخيرة، كاد الحكم التشيلي «كريستيان جاراي» أن يتسبَّب في كارثةٍ تحكيميةٍ لولا تدخل تقنية الفيديو VAR، وعلى الرغم من أن الإعلام التشيلي وصف الأمر بالفضيحة إلا أن الفضيحة الحقيقية لم تكن في إلغاء ركلة الجزاء، بل في احتسابها من الأساس! فالحكم احتسب ركلةً غريبةً جدًّا، وتراجع عنها في سبع ثوانٍ فقط بعد رؤية الإعادة، ما يعني أن تقنية var أنقذت المباراة من خطأ فادحٍ، كان سيحرم الهلال من فوزٍ مستحقٍّ.
الخلاصة: يبقى الحكم الأجنبي الخيار الأفضل والآمن للأندية، لكنْ بشرط أن يكون حكمًا «نخبويًّا»، فالأندية لا تريد مجرد صافرةٍ أجنبيةٍ، بل تريد عدالةً ناجزةً، وشخصيةً قويةً تضبط إيقاع المباريات الكبرى بعيدًا عن حسابات الخوف والتردُّد التي كبَّلت صافرة الحكم المحلي.