خالد الربيعان
إفريقيا!
2026-03-22
إفريقيا.. القارة التي تُختزل غالبًا في المواهب الخام، بينما تخفي في عمقها واحدة من أكثر البيئات غرابةً وتعقيدًا في الاستثمار الرياضي. الغرابة هنا ليست سلبية دائمًا، بل هي مزيج من الفرص غير المستغلة، والنماذج غير التقليدية، والتناقضات التي لا تجدها في أي سوق آخر.
أول هذه الغرائب أنَّ القارة تُعد مُصدّرًا عالميًّا للمواهب، لكنها في الوقت ذاته فقيرة في الاحتفاظ بالقيمة. مئات اللاعبين الأفارقة ينتقلون سنويًّا إلى أوروبا، لكن القيمة الاقتصادية النهائية تُبنى خارج القارة. ببساطة، إفريقيا تُنتج المادة الخام، بينما أوروبا تُدير سلسلة القيمة. هذه فجوة استثمارية ضخمة، لكنها أيضًا فرصة لمن يفهم كيف يحوّل هذا الخام إلى أصول مالية حقيقية، لا مجرد بوابات عبور.
الغريب أنَّ بعض الأندية الإفريقية تمتلك جماهيرية ضخمة تضاهي أندية أوروبية، لكن دون نموذج تجاري واضح. جماهير بالملايين، تفاعل رقمي هائل، شغف لا يُشترى.. ومع ذلك عوائد محدودة. هنا المفارقة: الأصل موجود «الجمهور»، لكن لم يتم تسييله اقتصاديًّا عبر حقوق البث، الاشتراكات، أو المنتجات الرقمية. أي مستثمر يفهم اقتصاد الجماهير سيجد كنزًا غير مستغل.
أيضًا البنية التحتية ليست دائمًا عائقًا.. بل أحيانًا فرصة. في أسواق ناضجة، تحتاج استثمارات بمليارات لتطوير منشآت قائمة، بينما في إفريقيا يمكنك بناء النموذج من الصفر بتكلفة أقل، وبمرونة أعلى. الاستثمار هنا ليس في ملعب فقط، بل في منظومة كاملة تبدأ من الأكاديميات وتنتهي بمنصات المحتوى.
الغرابة الأكثر إثارة، فهي تدخل الحكومات بشكل مباشر في بعض الأندية، ما يخلق بيئة غير تقليدية للمستثمر. في أوروبا، السوق يحكمه القطاع الخاص، بينما في إفريقيا قد تجد ناديًا مدعومًا سياسيًّا أكثر من كونه مشروعًا تجاريًّا. هذا التداخل يصنع مخاطرة.. لكنه أيضًا يفتح أبواب شراكات استراتيجية لمن يعرف كيف يتعامل مع المنظومة.
ولا يمكن تجاهل الاقتصاد غير الرسمي الذي يحيط بالرياضة في إفريقيا. صفقات، وكلاء، انتقالات، وأحيانًا مواهب تُكتشف خارج أي إطار مؤسسي. هذا الاقتصاد الموازي يجعل السوق غير قابل للتنبؤ، لكنه في الوقت ذاته يمنح الأفضلية لمن يملك شبكة علاقات قوية على الأرض، لا مجرد رأس مال.
الغريب أيضًا أنَّ القارة متأخرة في استثمار الإعلام الرياضي، على الرغم من أنَّ قصصها هي الأكثر إثارة إنسانيًّا وتسويقيًّا. تخيل حجم المحتوى الممكن إنتاجه من لاعب خرج من قرية صغيرة ليصل إلى العالمية. هذه ليست مجرد قصة.. بل أصل إعلامي يمكن تحويله إلى ملايين.
في النهاية، إفريقيا ليست سوقًا ضعيفًا.. بل سوقًا غير مفهوم. الخطأ الأكبر أن تُقاس بنفس معايير أوروبا. من يرى الفوضى قد يتراجع، لكن من يرى النظام داخل الفوضى سيكتشف أنَّ القارة تمثل أحد آخر الحدود الحقيقية في الاستثمار الرياضي.
الرسالة الأهم لصانع أي قرار استثماري في إفريقيا: إذا كانت أوروبا تمثل السوق المشبع، فإن إفريقيا هي السوق الذي لم يبدأ بعد.. ومن يدخل مبكرًا، لا ينافس على حصة، بل يصنع السوق نفسه.