أحمد الحامد⁩
مصنع العالم
2026-03-24
دفعت ما يقارب 600 ريال ثمن حقيبة يدوية جلدية، من شركة أوروبية تعرفت عليها في التسعينيات، تصنع حقائبها منذ عشرات السنين في مصنع محلي حافظ على تقاليده، كل شيء باليد، ولا تتدخل الماكينة إلا قليلًا. هذه ليست المرة الأولى التي أشتري منها، كنت أدفع مقابل الجودة ومقابل الحكاية عن الشركة التي بدأها الجد وحيدًا في محل صغير، قبل أن يحقق نجاحات مكنته من افتتاح معمل صغير، ثم انضم إليه الجيل الثاني، ثم الجيل الثالث الذي استمر بعد رحيل الجد والجيل والثاني. قبل أيام وبالصدفة قرأت على ظهر الحقيبة وبخط مطبوع على الجلد وبشكل غير واضح لأن لونه بلون الجلد «صنع في الصين». لم تتغير نظرتي للحقيبة، لا في جودتها ولا في قيمتها، لكن فكرتي عن بدء نهاية الصناعات الأوروبية التي نعرفها توثقت في عقلي أكثر، لا يمكن للأوروبيين مقاومة الصين للأبد، وما تبقى من صناعات أوروبية في طريقها للاستسلام، لأن ما يظهر في أوروبا سرعان ما ستصنعه الصين وبجودة عالية وبأسعار يصعب منافستها، وأعتقد أن أعداد المصانع التي ستبقى في أوروبا ستكون قليلة، وتعرض منتجاتها على نطاق محلي صغير. هذه هي دورة الزمن، ومثلما كان الأوروبيون أسياد الصناعة ظهرت الصين كمنافس لا يحتاج أكثر من القليل من الوقت لتصبح بلا منافس بشكل كامل. ستحتفظ أوروبا بصناعاتها العسكرية وبالصناعات التقنية حفاظًا على أمنها، حتى في عالم السيارات سترجح كفة الصين في المستقبل القريب، والسائق على الطريق اليوم اعتاد مشاهدة السيارات الصينية بكل أنواعها الاقتصادية والفاخرة، وهي «تربي» زبائنها على قول أهل السوق. الصين تيار صناعي يصعب إيقافه، وكل محاولات صد التيار لن تصمد، لأن الظروف التي سمحت بتشكل التيار لم ولن تتغير، لن تؤثر ثقافة الصين في العالم مثلما أثرت الثقافة الأوروبية والأمريكية، لكن الأمر الذي حسمته هو أنها مصنع العالم الذي لن ينافسه أحد بالجودة مقابل السعر، وبالخيارات التي تصلح للجميع. إنها دورة الزمن.