بافلوفيتش.. من شوارع شاباتش إلى سان سيرو
في مدينة شاباتش الصغيرة، شمال غربي صربيا، الشهيرة بنهرها، وُلد ستراهينيا بافلوفيتش، لاعب منتخب صربيا الأول لكرة القدم، في 24 مايو 2001، طفل أطلق عليه والداه اسمًا ثقيل الدلالة في التراث البلقاني«استراهينيا»، وهو اسم يحمل في جذوره اللغوية معنى «اللاخوف»، وهو ما سيثبته صاحبه على الملاعب الأوروبية بعد عقود، قال عنه لاحقًا: «ستراهينيا تعني بلا خوف، أحب اسمي، أعتقد أنه يصفني جيدًا».
والده سيميون المعروف بـ«ساشا» لم يتجاوز ملاعب الهواة في كرة القدم، غير أنه زرع في ابنه شغف اللعبة منذ الصغر، فيما كانت والدته جيلينا تسهر على متابعة تعليمه الأكاديمي في أعوام الطفولة الأولى، قبل أن يختار ستراهينيا وفق ما هو موثق في مساره المهني أن يهب نفسه كليًا لكرة القدم بعيدًا عن الدراسة العليا.
في 2009، انضم الطفل ذو الثمانية أعوام إلى نادي ساباشيوم المحلي في مدينة شاباتش، وبقي فيه حتى عام 2015 ، ستة أعوام اكتشف خلالها أرض الملعب، وتعلّم كيف يقرأ كرة لم تكن قد آلت إليه بعد، وحين بلغ الرابعة عشرة انتهت رحلة الشارع الصغير وبدأت قصة أكبر.
في صيف 2015، انتقل بافلوفتش رسميًا إلى منظومة الشباب في نادي بارتيزان بلغراد، النادي الذي يُعدّ من أعرق الأندية في يوغوسلافيا السابقة وصربيا الحديثة، وهناك وجد نفسه في بيئة احترافية مختلفة تمامًا عن ملاعب الأحياء، مزاحمًا الأقران، ومنتزعًا مكانته بالجسد الطويل، والنظرة الهادئة، التي لا تنخدع بمظاهر اللعبة.
في سبتمبر 2018، وقّع بافلوفتش أول عقد احترافي في حياته مع النادي لمدة ثلاثة أعوام، وجرى ترقيته إلى الفريق الأول على يد المدرب زوران ميركوفيتش قبيل الاستعداد للنصف الثاني من الموسم، وكان عمره آنذاك 17 عامًا، يحمل في حجمه هيبة لاعب ناضج، وفي نظراته حدة شاب يعرف ما يريد.
في 23 فبراير 2019، خاض بافلوفتش أول مباراة رسمية له في الدوري الصربي، حين فاز بارتيزان بثلاثة أهداف دون رد أمام برولتر نوفي ساد، لعب طوال الـ90 دقيقة، وتلقى بطاقة صفراء، ولم تُنهِ البطاقة الصفراء بهجة اللحظة، فتلك العقوبة الصغيرة كانت شهادة على أن ثمة مدافعًا لا يتراجع ولا يحسب الأمور بمنطق المتفرج.
بعد أسبوع واحد فقط من ذلك الظهور الأول، في 2 مارس 2019، خاض بافلوفتش أول «ديربي أبدي» في مسيرته بين بارتيزان ونجم الحمراء، وكان في تلك اللحظة يبلغ من العمر 17 عامًا و282 يومًا، مباراة لا يدخلها صبيان، غير أن صبيًا من شاباتش خاضها بنفس من لم يعرف الخوف يومًا.
رافقه في تلك المرحلة من مسيرته زوران ميركوفيتش، مدرب الأكاديمية والرجل الأول فيها، الذي آمن بقدراته وأعطاه الأولوية في التشكيلة، قبل أن يجاهر الجميع بهذا الرأي، كما كانت الشراكة الدفاعية مع المدافع المخضرم بويان أوستوييتش في موسم 2019ـ2020 محطة نضج حقيقية، إذ تعلّم بافلوفتش أمام جانبه الأيسر كيف يقرأ المساحات ويضبط التوقيت في مواقف لا تحتمل التأخير.
سرعان ما رسّخ بافلوفتش مكانته في التشكيل الأساسي، وجمع 15 مشاركة رسمية، وأسهم في تتويج بارتيزان بكأس صربيا موسم 2018ـ2019، لكن رياح التغيير بدأت تهب من الغرب، وكانت الوجهات الأوروبية الكبرى تراقب.
في صيف 2019، كان بافلوفتش على وشك الانتقال إلى نادي لاتسيو الإيطالي، غير أن المفاوضات تعثرت في اللحظات الأخيرة، ووقّع عقدًا جديدًا لخمسة أعوام مع بارتيزان، وبعد أشهر من تلك اللحظة المفصلية، جاء الاهتمام من جهة أخرى لا تقل ثقلًا.
في 18 ديسمبر 2019، أعلن بارتيزان وموناكو التوصل إلى اتفاق على انتقال بافلوفتش خلال نافذة الميركاتو الشتوي، فيما بقي اللاعب مُعارًا في بارتيزان حتى يونيو 2020، وحين انتهت تلك العارية انطلق إلى بلاد جديدة بلغة لا يعرفها وعقل لا يكترث بما لا يعرفه.
ظلّ بافلوفتش الخيار الخامس في تشكيلة القلب الدفاعية في موناكو في عهد المدرب نيكو كوفاتش، فانتقل معارًا إلى سيركل بروج البلجيكي في يناير 2021، ثم إلى بازل السويسري في فبراير 2022، حيث أكمل رحلة التجوال الطويلة التي لم تكن انتكاسة بقدر ما كانت مدرسة مفتوحة على كل الاتجاهات.
في 1 يوليو 2022، أتمّ نادي ريدبول سالزبورج النمساوي الإفراج عن بافلوفتش من موناكو مقابل 7 ملايين يورو، وفي النمسا وجد ما افتقده في موناكو، وجد ملعبًا يمنحه الوقت الكافي ليُجرّب ويُخطئ ويُصحح، وهناك تفتّح لاعبًا مكتمل الملامح.
في المرحلة النمساوية، تصدّر بافلوفتش قائمة المدافعين في الدوري النمساوي من حيث المبارزات المكسوبة، إذ بلغت 298 في الموسم الأخير، إضافة إلى 80 تدخلًا ناجحًا و1948 تمريرة ناجحة في مجموع المسابقات، أرقام تحدثت عمّن لا ينتظر الفرصة بل يصنعها.
حين حضر مونديال قطر في 2022، كان بافلوفتش في الـ21 من عمره يقف في الخط الدفاعي لمنتخب صربيا أمام البرازيل، ثم الكاميرون، ثم سويسرا، وفي اللقاء أمام الكاميرون سجّل هدفه الدولي الأول بضربة رأس من تمريرة دوشان تاديتش، وكانت تلك اللحظة دليلًا على أن القاموس الذي يحمله هذا المدافع ليس دفاعيًا حصرًا.
وفي صيف 2024، في ألمانيا خلال يورو 2024، الذي خاضته صربيا، جاء مشهد سيُكتب في كتاب هذا اللاعب طويلًا، إذ كشف المدرب دراجان ستويكوفيتش في حديث لـ«جازيتا ديلو سبورت» عن أن بافلوفتش طلب منه النصيحة بشأن مستقبله، فأخبره بأن يختار ميلان إن أتيحت له الفرصة، مؤكدًا أن الدوري الإيطالي يشبه الجامعة للمدافعين، وأن اللاعب كان على القناعة ذاتها، قال له ستويكوفيتش: «أخبرته أنه إذا كان لديه خيار فعليه الذهاب إلى ميلان، إنه نادٍ كبير والدوري الإيطالي يشبه الجامعة بالنسبة للمدافعين».
في 31 يوليو 2024، انتقل بافلوفتش رسميًا إلى ميلان مقابل ما يُقدّر بـ18 مليون يورو، ووقّع عقدًا حتى 30 يونيو 2028 مع خيار تمديد لموسم إضافي، واختار الرقم 31، القميص الذي سبق أن ارتداه المدافع الهولندي ياب ستام، وفي ذلك اختيار ما يشير إلى أن الصربي يعرف جيدًا وزن التاريخ الذي يلبسه.
في أول تصريح له بعد انضمامه لـ«الروسونيري»، تحدث بافلوفتش عن المدافعين الكبار الذين مروا بهذا النادي، فقال: «لعب في ميلان مدافعون كبار أمثال مالديني وستام ونيستا، كانوا رائعين، لكنني كنت صغيرًا جدًا لأتمكن من مشاهدتهم»، واختار من التراث الصربي مرجعًا واحدًا لا يقبل المزاحمة، قال: «بالنسبة لي هو فيديتش، كان مدافعًا قويًا جدًا، وهكذا كان أسلوبه، كنت أتابعه حين كنت صغيرًا دائمًا، هو مصدر إلهامي».
اللافت أن المقارنة بين بافلوفتش وميهايلو فيديتش ليست وليدة اليوم، إذ رافقته منذ عام 2017 حين كان في الـ17 من عمره، على الرغم من أن الاثنين ينتميان إلى مدرستين مختلفتين، فيديتش نشأ في نجم الحمراء، فيما بافلوفتش صنعه بارتيزان.
ارتبط بافلوفتش بميليتسا ماركوفيتش، العارضة الصربية، وصاحبة الحضور اللافت على منصات التواصل الاجتماعي، وهي علاقة يحرص الطرفان على إبقائها بعيدة عن الأضواء بقدر ما تسمح به الشهرة، في بلد يصنع مواطنوه من حياة لاعبيهم قصصًا يتداولها الجمهور قبل أن تُكتب.
في ليلة 2 نوفمبر 2025، لم يكتفِ بافلوفتش بتسجيل هدف الفوز أمام روما في الدقيقة 39، بل أعلن أمام الكاميرات مباشرة عبر قناة DAZN عن خبر أكبر من أي نتيجة كروية، حين قال: «أنا سعيد جدًا بهذا الهدف والفوز، وأنا أيضًا سعيد جدًا لأنني سأكون أبًا»، ليكون سان سيرو في تلك الليلة مسرحًا لفرحتين في آنٍ واحد لا تشبه إحداهما الأخرى.
في حديثه مع وسائل الإعلام الإيطالية بعد ذلك اللقاء، برر بافلوفتش بصدق حين لجأ إلى الصربية بدلًا من الإيطالية في لحظة انفعال حقيقية، وقال: «أنا متعب جدًا للحديث بالإيطالية، آسف»، وضحك وهو يقول ذلك، وضحك معه من استمعوا، لأن الفرح الحقيقي لا يحتاج إلى ترجمة.
حين يتحدث بافلوفتش عن قدوته في الملاعب لا يتردد ولا يبحث عن اسم بعيد، فالجواب جاهز ومعتق: نيمانيا فيديتش، المدافع الصربي الذي ارتدى قميص مانشستر يونايتد بين 2006 و2014 وخرج من أولد ترافورد بثلاثة ألقاب في دوري الأبطال الأوروبي وخمسة في الدوري الإنجليزي، قال بافلوفتش: «كنت أتابعه حين كنت صغيرًا دائمًا، هو مصدر إلهامي، كان مدافعًا قويًا جدًا وهكذا كان أسلوبه».
وفيديتش، الذي وصفه زميله روبن فان بيرسي بأنه «يضع رأسه حيث يخاف غيره أن يضع قدمه»، كان ينتمي في شبابه إلى نادي نجم الحمراء بلغراد، فيما نشأ بافلوفتش في معسكر بارتيزان الغريم التاريخي لنجم الحمراء، وهو تفصيل لا يُلغي الإعجاب، لكنه يضع له سياقًا يفهمه جيدًا من يعرف طبيعة الانقسام الكروي في صربيا، حيث النادي هوية تسبق الاسم وتبقى بعده.
ما يجمع الاثنين أعمق من مجرد الجنسية المشتركة أو القامة المتقاربة، فكلاهما نشأ في مدينة صغيرة ليست بلغراد، وكلاهما شق طريقه عبر الدوري المحلي قبل أن يُصدَّر إلى أوروبا الكبرى، وكلاهما اتسم بالحضور الجسدي والصلابة الدفاعية والقدرة على الاستماتة في المواقف الحرجة، تلك الصفات التي تصنعها الملاعب الصغيرة قبل أن تصقلها الملاعب الكبيرة.
يحرص بافلوفتش على إدارة صورته الرقمية بتحفظ لافت قياسًا بجيله، إذ لا تتجاوز منشوراته الرسمية على «إنستجرام» في معظم الأوقات الصور الرياضية ومشاعر ما بعد المباريات، وهو ما يتناقض مع جيل يُقدّر الوجود الرقمي بحجم الإنجاز المهني، غير أن بافلوفتش يُفضّل أن تكون أرقام الملعب هي الأعلى صوتًا.
في الحياة اليومية، تكشف المقابلات المتفرقة التي أجراها عن ميل نحو القراءة والمتابعة الفكرية بعيدًا عن صخب كرة القدم، وهو ما يبدو مألوفًا في شخصية المدافع الصربي، التي تميل بطبيعتها إلى الهدوء والتأمل خارج حدود الملعب، تمامًا كما هو داخلها حين يقرأ الكرة قبل أن تصل ولا يصطدم بها إلا حين يكون مطمئنًا إلى النتيجة.
يتحدث الإيطاليون بسرعة، وهو يحاول أن يصل إليهم باللغة قبل أن يصل إليهم بالأداء، وقد كشف بنفسه أن الإيطالية لا تزال تستنزف منه جهدًا حين تتصاعد المشاعر، لكنه لا يتوقف عن المحاولة، لأن من نشأ في شاباتش وحلم بسان سيرو لا يعرف معنى التوقف عند عقبة من أي نوع.
