إيطاليا 12 عاما بلا مونديال.. وزينيتسا تكمل ما بدأته بلفاست

بيو إسبوسيتو لاعب منتخب إيطاليا الأول لكرة القدم يتحسر على إهدار ركلة الترجيح الأولى أمام البوسنة والهرسك، الثلاثاء، (وكالات)
الرياض - إبراهيم الأنصاري Ibrahimal_ansar@ 2026.04.01 | 03:50 pm

في 15 يناير 1958 أسدل الليل ستائره على ملعب «وندسور بارك» في بلفاست، وكان المنتخب الإيطالي الأول لكرة القدم يمشي إلى غرف الملابس وكأنه يمشي إلى محاكمة لم يتوقعها، فقد انتهت المباراة 2ـ1 لصالح إيرلندا الشمالية، وغادرت إيطاليا أول تصفياتها الرسمية لكأس العالم خالية الوفاض، في صدمة لم يستوعبها الإيطاليون حينها قبل أن تتحوّل إلى جرح مفتوح لعقود.
وفي 31 مارس 2026 في زينيتسا، على ملعب «بيلينو بولي» في ليلة أخرى لا تختلف في نتيجتها، انتهى المشهد بالطريقة ذاتها تقريبًا، فقد أضاع بيو إسبوسيتو ركلته الأولى في الهواء، وضرب كريستانتي العارضة، فأقفلت البوسنة ملف مونديال 2026 بـ 4ـ2 من ركلات الترجيح بعد تعادل 1ـ1 استمر 120 دقيقة.
خاضت إيطاليا كأس العالم للمرة الأولى عام 1934 وتوّجت بالبطولة على أرضها، ثم كرّرت اللقب في فرنسا 1938، قبل أن تنهار مرتين في الدور الأول عامَي 1950 و1954، وعندما جاء موعد تصفيات السويد 1958، كان المنتخب يحمل ثقل بطولتين في جيوبه، ويواجه مجموعة لم تكن تُعدّ تاريخيًا ضمن الكبار، وهي البرتغال وإيرلندا الشمالية، غير أن أعوام الخمسينيات في دوري «سيريا آ» كانت قد شهدت موجة كبيرة من اللاعبين الأجانب الذين سدّوا الملاعب في الأندية، ما أفقر المنتخب من مواهبه المحلية وجفّف منابعه الشبابية.
دخل المدرب ألفريدو فوني تصفيات 1958 وهو يعتمد على 28 لاعبًا في أربع مباريات، من بينهم لاعبون من أصول أجنبية تجنّسوا الإيطالية، وكان خوان ألبيرتو شيافينو، نجم منتخب أوروجواي الذي شارك في ملحمة «الماراكانازو» عام 1950 حين سرقت بلاده اللقب من البرازيل أمام جمهورها، وألسيدس جيجيا، الجناح الذي حفر اسمه في الذاكرة الأمريكية اللاتينية برتبة أسطورة، ثم جاء الاثنان إلى إيطاليا مُنقذَين، فإذا بهما يودّعانها من بوابة إيرلندا الشمالية.
بعد الإقصاء، ودّع شيافينو القميص الأزرق إلى الأبد، وجيجيا لم يلبسه بعدها إلا مرة يتيمة في مباراة تجريبية ضد إسبانيا، فاستهلك الفشل الأول بطلَي ملعب «الماراكانا» بمجرد أن ارتطما بأرضية بلفاست، وهكذا دخل المنتخب تاريخه من الباب الخلفي.
بين ذلك الرحيل الأول وما تلاه من حضور متواصل ومتقلّب، انقضت عقود طويلة قبل أن يعود الإيطاليون إلى شبح الغياب، إذ ذهبوا إلى المكسيك 1970 وخرجوا من النهائي، وإلى ألمانيا 1974 خرجوا من الدور الأول، ثم في إسبانيا 1982 توّجوا بالبطولة الثالثة، وكررها باولو روسي في ألمانيا 2006 بعد فترة جفاء مع المستوى اللائق.
جاء الخريف الأول للدورة الحديثة في 2018 حين قاد جيامبييرو فينتورا المنتخب نحو مواجهة السويد في ملعبَي الإياب ذهابًا وإيابًا، وانتهى الأمر بتعادلَين 0ـ0، والثاني منهما أسكت ملعب «سان سيرو »ومدينة ميلانو، فلم يُسمع فيها إلا صوت الأقدام وهي تجرف خيبة أمل الجمهور، وخرج جيل فينتورا من التاريخ من نفس البوابة التي دخل منها جيل فوني عام 1958، بلا مبرر كافٍ يعكس حجم الفجوة أمام منافس أقل موهبة.
في يورو 2022، حقق روبرتو مانشيني لقب أوروبا 2021 وأشعل آمالًا كبيرة بمنتخب يبدو مختلفًا في روحه وأسلوبه، غير أن تصفيات مونديال قطر 2022 جاءت بمفاجأة مزدوجة، فالمنتخب انزلق إلى الملحق، وفي ملعب الباربيرا في باليرمو، ضرب ألكسندر تراخوفسكي المرمى الإيطالي في الدقيقة 92 بضربة حرة أسكتت المدرجات وأوصلت مقدونيا الشمالية إلى الدور التالي، فالبطل الأوروبي يحزم أمتعته قبل أن يُكمل مسيرته، وتبقى البطولة القارية شاهدًا وحيدًا على جيل لم يُترجم نفسه في مواعيده الحقيقية.
وفي 31 مارس 2026 تكرر المشهد من أول وجديد في الجبال البوسنية بزينيتسا، في ليلة من المفترض أنها الأكثر أهمية منذ أعوام لكن لم يأتِ رفاق باريلا وباستوني بجديد.
منذ عام 2014 والمنتخب الإيطالي لم ينزل في مباراة مونديالية، وهي فترة باتت اليوم 12 عامًا موصولة بلا حضور في أضخم التظاهرات الكروية، وأمامها انتظار آخر حتى 2030 في إسبانيا والبرتغال والمغرب.
الانقطاعات الثلاثة المتتالية عن مونديال 2018 و2022 و2026 لم يسبق للمنتخب الإيطالي خوضها في تاريخه كاملًا، فالأول 1958 جاء بعد عقدين من الانتصارات، والثاني 2018 جاء استئنافًا لتراجع تدريجي، والثالث والرابع باتا نمطًا متكررًا لا استثناءً عابرًا.
فوز 2021 القاري بات مع مرور الوقت يشبه الاستثناء أكثر مما يشبه القاعدة، أو ربما كان ذلك الفوز الوحيد الذي أتاحه هذا الجيل لنفسه كهدية وداع قبل أن يُسلّم مكانه في التاريخ لأجيال لم تزل تبحث عن أول نصرها الكبير، وملعب «بيلينو بولي» أضاف لهذا الجيل تاريخًا جديدًا لا يُنسى، لكن ليس من نوع الذكريات التي يحب أحد استعادتها.