قد تكون القهوة أكثر مشروب درسته الدراسات، مرة يقولون إن عدة أكواب منها مفيدة للجسم، ومرة يقولون إن الإكثار منها مضر، ولكثرة هذا التضارب في الدراسات صرت لا أعرف ما هو الصحيح. يقول المثل اسأل مجربًا ولا تنس الحكيم.. ولأني مُجرب فسأقدم أيضًا دراستي عن القهوة، طالما أن الجميع يقدمون دراساتهم باستمرار، ولكن ليس كدراسة طبية بل كدراسة نفسية. ربما يتساءل أحدهم: وهل أنت طبيب نفسي أو عالم نفس لتقدم دراسة؟ الإجابة نعم.. أنا خبير نفسي عن نفسي. القهوة عند بعض الذين يشربونها باستمرار مرتبطة بالمكان أكثر من كونها مشروبهم المفضل، فالكثير ممن يذهبون للمقاهي هم باحثون عن «تغيير جو» أكثر من رغبتهم بشرب القهوة، لأنها موجودة في منازلهم ويستطيعون شربها في أي وقت، ولهذا ينصح بعض خبراء المقاهي بالتركيز على راحة كراسي المقهى ودفئه، لأن بعض الزبائن يبحثون عن راحة المكان أكثر من طعم القهوة، وهذا يفسر لماذا يرتبط البعض بمقهى محدد ليكون مكانهم المفضل للاستراحة أو الالتقاء بأحد الأصدقاء. سهولة تحضير القهوة ساهم في انتشارها، فهي لا تحتاج أكثر من الماء الساخن، لذا هي المشروب الأسرع تحضيرًا بالنسبة للذين يريدون «فك ريقهم» في الصباح أو بعد الاستيقاظ من النوم، والأمر نفسه للمدخنين الذين يفضلون شرب شيء قبل شرب سيجارتهم أو شرب شيء معها، لذلك عندما يمتنع البعض عن التدخين يتوقفون عن شرب القهوة بل ينسونها. كل ذلك جعل القهوة المشروب الشعبي الأول في العديد من الدول ليس تمامًا لأنه الأفضل بل لأنه الأسهل. في بعض دول جنوب أمريكا مثل الأرجنتين وباراجواي والأوروجواي تعتبر «المتّة » وهو مشروب مستخلص من أوراق شجرة المتة، المشروب الأول، ويوجد كذلك في المحلات التي يبحث فيها الناس عن تغيير الجو ولقاء الأصدقاء ورؤية الناس. الأمر نفسه بالنسبة للشاي عند الإنجليز، يشربونه في محلات بيع الشاي لرغبتهم في الخروج من المنزل ورؤية الأصدقاء وتغيير الجو. الناس بطبيعتها تبحث عن مكان مريح ورؤية الناس أكثر من رغبتها الحقيقية في شرب القهوة أو الشاي، أما السؤال عن فائدة أو ضرر عدة أكواب من القهوة يوميََا فلا أعرف إجابته.. لكني أعرف أن أهل الدراسات مختلفون في الإجابات، وكل دراسة تناقض الأخرى، وكل يوم أقرأ دراسة من دراساتهم وأنا في المقهى لتغيير الجو لا أكثر.
