ما زلت أرى أبا سالم صاحب أفضل استراتيجية للحفاظ على الابتسامة، حكيمًا بالفطرة، ومقصد الأصدقاء لأخذ الاستشارات ورفع المعنويات، ومع كل مفهوميته، لا أظنه فتح كتبًا غير كتب المدرسة التي غادرها مبكرًا. مبدأه عدم مقاومة ما لا تستطيع تغييره، وبطولته في معرفة إن كان هناك حل للمشكلة، فإن لم يوجد حل يوصيك بالتعايش معها، وتركها للزمن. يفعل ذلك مع نفسه، وهذا ما جعل البعض يعتقدون بأن سبب هدوئه الدائم أنه بلا مسؤولية، أو أنه محظوظ لأن المشاكل لا تمر عليه. أثناء لقاءاته لا يحب أن يتذمر أحدنا من الطقس لأننا لا نتحكم فيه، ولا عن ارتفاع سعر سلعة، ويكره الكلام في السياسة ومشاكل الدول لأننا لا نفهم فيها، ولا يسمح أثناء حضوره بالغيبة.. حتى لو كانت عن هتلر. يصعب أن تراه وحيدًا، هو دائمًا محاط بالأصدقاء من حوله، ولا أعتقد أن سبب تجمعهم حوله يكمن في طرافة أحاديثه وأسلوبه الشيّق فقط، بل في شعورهم بالأمان والراحة بقربه، يقدس عمله البسيط ليس حبًا في مهنته، بل لأنها تكفيه ماليًا حسبما ذكر في أكثر من مناسبة. المرة الوحيدة التي كنت معه فيها على انفراد مدة طويلة كانت أثناء توجهنا لزيارة أحد المعارف لتقديم واجب العزاء، قضينا ثلاث ساعات في الذهاب، وثلاث أخرى للعودة، في تلك الساعات تعمقت واقتربت منه، قال في تلك الرحلة إن لكل إنسان قدرة يحددها الزمان والمكان، والذكي هو الذي يعرف قدراته فلا يتخطاها، وهذا ليس حدًا للطموح، بل حدًا للأوهام، وأن لكل شخص في الحياة نصيبه، فإن رضي زال قلقه، والسعادة موجودة دائمًا داخل الإنسان ومحيطه الصغير. كان لقائي الأخير معه قبل كورونا بقليل، كنا مجموعة في المقهى الذي يفضله، وكنت أجلس على يساره صامتًا، وقد تملكني الضيق والحزن، فالتفت نحوي، وقال بصوت بالكاد سمعته: ها.. حليت المشكلة بحزنك؟