وجود الإنسان في الحياة فيه مسؤولية كبيرة وصعبة، وكلما كبر وتعلم، كلما تعرّف على تفاصيل أكثر عن مسؤوليته، صرت أفهم حكمة الذين اختاروا أن يقللوا من كلامهم قدر استطاعتهم لأنهم عرفوا مسؤولية الكلمة، والذين اختاروا الزهد في الحياة، لأن الحياة قصيرة مهما طالت، ومتقلبة مهما أغدقت، ولأن النعم مسؤولية واختبار. للكاتب والفيلسوف الإسباني مقولة عن التاريخ: «من لا يتذكر الماضي، محكوم عليه أن يكرره» والماضي كنز واضح جدََا للعقلاء، ومشوّش وغامض للذين عبروه دون الانتفاع منه، وهم على الأغلب يكتشفونه متأخرًا بعدما يكررون بأنفسهم أخطاء من سبقوهم، خصوصََا عندما يولدون في زمن أو بيئة تركز على النجاح المادي. يقول المثل الشهير: «احفظ قرشك الأبيض ليومك الأسود» لكنه لا يقول إن قيمة المرء في تأثيره الخيّر، فيحفظ المؤمن بالمثل قرشه بينما على مقربة منه من لا يملك ثمن دوائه. تتسابق المنصات في نشر آخر الأرقام المليارية التي وصل لها أثرياء العالم، يُقدمون على أنهم النموذج الناجح في الحياة، بينما في الحياة.. في حقيقتها.. قد يكون مُعلم اشترى براتبه أحذية لطلابه الفقراء أعظم منهم جميعََا. يُتابع الناس على منصات التواصل بعض الذين يستعرضون سياراتهم وملابسهم، يرونهم النموذج الناجح، بينما الموظف النزيه الذي رفض أن يختلس قد يرفضه أهل الفتاة التي أحبها لأنه محدود الدخل، وهذه من مشاكل الذين لا يتذكرون الماضي، أما من يقرؤه فسيعرف أن الحياة مسؤولية، مسؤولية من تحترم؟ وبمن تعجب؟ وكيف تكون؟. في الموت عظة للتعقل والفهم، وفي سير الأموات ما يكفي لنفهم أن مسؤوليتنا في أن نعطي أكثر مما نأخذ، وأن نساعد بقرشنا الأبيض، وأن نحب أكثر مما نكره. جميعنا سنغادر.. فأي أثَر نريد تركه؟
