حبشي الشمري
دوري روشن.. منظومة اقتصادية
2026-05-09
احتدمت في الأسابيع الأخيرة المنافسة على اقتناص بطولة دوري روشن السعودي للموسم الجاري، لكنَّ المنافسة في قمة الجدول الترتيبي لا تعني أن المباريات الأخرى كانت رتيبةً، أو حتى عاديةً.
إن هذا التنافس المشبَّع بالنجوم العالميين، بمَن فيهم الأسماء الفريدة، أسهم في رفع قيمة السوق للدوري السعودي، معزّزًا بالروافد المتنوعة التي تصبُّ في تحقيق النجاح للدوري من بنيةٍ تحتيةٍ، وأكاديمياتٍ، ومحفزاتٍ لوجستيةٍ من الجهات ذات الاختصاص، في مقدمتها وزارة الرياضة.
ووفقًا لبيانات «ترانسفير ماركت Transfermarkt»، وهو موقعٌ ألماني، يُعدُّ مرجعًا للأندية حول العالم، وذو موثوقيةٍ عاليةٍ، قفزت القيمة السوقية التقديرية للدوري السعودي للمحترفين بين موسمي 2021ـ2022 و2023ـ2024 من نحو 370 مليون يورو إلى 970 مليونًا.
وخلال هذه الفترة شهدت أنديةٌ مثل الأهلي، والهلال، والنصر ارتفاعًا في قيمتها السوقية بنسبة 450%، و330%، و250% على التوالي. وبلغت القيمة السوقية التقديرية لهذه الأندية الثلاثة مجتمعةً 499 مليون يورو. وقد كان صندوق الاستثمارات العامة السعودي المحرِّك الرئيس لهذا التوسُّع حيث يمتلك حصة 75% بأكبر أربعة أنديةٍ في المملكة.
لقد تحوَّل المشهد الرياضي السعودي من مجرد سوقٍ مستهلكٍ لنجوم اللعبة إلى بيئةٍ حاضنةٍ لمواردَ بشريةٍ ومصدِّرةٍ للكفاءات.
كذلك قفز إنفاق الأندية السعودية على رسوم خدمات وكلاء اللاعبين بنحو 83% على أساسٍ سنوي، ليسجل 80.4 مليون دولار، من يناير حتى ديسمبر 2025، مقتربًا بذلك من المستوى القياسي الذي حققه في 2023، حسبَ تقريرٍ صادرٍ عن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا».
وبلغ إجمالي إنفاق الأندية السعودية على ضم اللاعبين للفترة نفسها نحو 754 مليون دولار، وهو ثاني أعلى رقمٍ تاريخيًّا، استنادًا إلى تقرير «فيفا» الذي يرصد حركة انتقالات اللاعبين الدولية في فترتَي الانتقالات الشتوية والصيفية، وكشف كذلك عن تحقيق إيراداتٍ بلغت 141.8 مليون دولار من بيع اللاعبين للخارج.
هذا أدَّى إلى نشاطٍ لافتٍ في سوق الانتقالات الدولية للأندية السعودية، إذ بلغ الإنفاق في الصيف الماضي 552 مليون دولار على 104 لاعبين، انضموا للأندية المنفقة، في المقابل حققت تلك الأندية وغيرها، نظير 149 لاعبًا نُقلوا إلى أنديةٍ أخرى، 101 مليون دولار.
ونتيجةً لذلك، دفعت الأندية السعودية نحو 74.2 مليون دولار بوصفه رسومًا لوكلاء اللاعبين والأندية في صفقات الاستقطاب، مقابل 6.2 مليون دولار تم إنفاقها على بيع عقود لاعبين انتقلوا من الأندية السعودية إلى الخارج، مع العلم أن أندية كرة قدمٍ للرجال عالميًّا أنفقت ما مجموعه 1.37 مليار دولار على رسوم خدمات وكلاء الأندية المتعلقة بالانتقالات الدولية للاعبين خلال 2025 بزيادةٍ تجاوزت 90% مقارنةً بالعام السابق «709 ملايين دولار»، وهذا الأمر جعل الدوري السعودي يحلُّ في المركز السادس عالميًّا في الإنفاق على رسوم خدمات الوكلاء في 2025 خلف أندية إنجلترا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال.
إن هذه الأرقام ليست تكاليفَ لصفقاتٍ فحسب، إنها أيضًا انعكاسٌ لتحول كرة القدم السعودية إلى قطاعٍ مُنتِجٍ وقادرٍ على توليد القيمة، ورفع الكفاءة المالية للأندية.
إن الاستثمار في دوري روشن حاليًّا يُمثِّل بناءً فعليًّا لمنظومةٍ اقتصاديةٍ مستدامةٍ، تهدف إلى تعظيم الإيرادات التجارية، وجعل الرياضة أصلًا استثماريًّا معتبرًا، لتتحول الملاعب من ساحاتٍ للتنافس الرياضي إلى منصاتٍ كبرى لاستقطاب التدفقات النقدية، وتحقيق منافعَ استثماريةٍ تضخ عوائدها في الاقتصاد الوطني.