عوض بعد ما خسر.. النصر لا يفوز إلا بقرار.. والنهاية طبل ودموع

الرياض ـ صالح الخليف S_ALKhalif@ 2026.05.22 | 10:33 pm

بصوته المتحشرج، وابتسامته الخجولة، وسماره المتشبع بتضاريس الصحراء، وداخل صالة رياضية مغلقة وبحضور 3 آلاف نصراوي، أطرب فهد بن سعيد القلوب الصفراء بواحدة من أصدق الأغاني التي تنازعت الهوى في عوالم كرة القدم، حتى باتت كلماتها دستورًا نافذًا في علاقة النصر مع تقلبات الأزمنة القاسية.. غنى فهد بن سعيد احتفالًا بجمع النصر ثنائية الدوري والكأس عام 1980 سمفونيته الخالدة «حيوا معايا النصر» وكان أصدق ما فيها قوله في الشطر الأول من البيت الثاني «عوض بعد ما خسر».. فكان تعويض الخسارة بمثابة الثقافة الوجودية للأصفر العاصمي الكبير.. كل الفرق والمنتخبات حول العالم أجمع واجهت الهزائم الموجعة ثم تبتسم لها ظروف الوقت وتعوض الانكسارات بالضحكات والانتصارات والبطولات.. لكن النصر حين يخسر وينكسر فأنه لا يعوض محبيه وجماهيره وأنصاره وعشاقه بطريقة عادية، ولا يعوضهم بثمن بخس، ولا يعوضهم ببطولة عابرة، ولا يعوضهم بنتيجة متوقعة ومعروفة.. تعويضات النصر هي درس لا يمكن حفظه عن ظهر قلب، ولا يمكن كتابته بسطر واحد أو عام واحد أو دليل واحد..
في عام 1980 خسر النصر مباراته الأولى في الدوري بخماسية قاسية أمام الاتحاد، فذهب صحافي اتحادي شهير لرئيس النصر الراحل عبد الرحمن بن سعود بعد المواجهة يسأله عن أسباب الهزيمة، لكن «أبو خالد» ما كان يجيب عن الأسئلة وكأنه في قاعة امتحان، وإنما دائمًا يرمي إجاباته كرسائل تذهب مع ريح لا تظل طريقها.. قال عبد الرحمن بن سعود حينها للصحافي الاتحادي: «هذه الخسارة هي لقاح الحصول على بطولة الدوري».. ضحك الصحافي الاتحادي ساخرًا من الإجابة، فقال رئيس النصر: «من يضحك أخيرًا يضحك كثيرًا».. بعد هذه المباراة انطلق النصر بالفعل وقدم نهجًا هجوميًا كاسحًا تُوج الأصفر بواسطته في نهاية المطاف باللقب العصيب.. ثم أضاف له بطولة الكأس.. كان موسمًا نصراويًا عصيًا على صفحات النسيان أو التجاوز.. كان عامًا تعويضيًا مثيرًا لحالة نادرة وغريبة.. فلم تعرف مسابقات الدوري أبدًا فريقًا يخسر بالخمسة في المباراة الافتتاحية، ثم يتوج آخر المطاف باللقب.. هذا شيء لا يحدث.. حدث مرة واحدة طوال التاريخ وكان البطل النصر.. ثم احتفل النصراويون وغنى فهد بن سعيد «عوض بعد ما خسر»..
تسير الأيام لترسخ في ركابها ثنائية النصر والتعويضات الجزلة.. لا يستسيغ الخسارة، وحينما يخسر ويسقط فأنه دائمًا يختار توقيتًا وزمنًا وطريقة لا يمكن للذاكرة تخطيها مهما تعاقبت الليالي المؤلمة في مراتع النصر..
التاريخ مثخن بهذه الهواية الموغلة بالاصفرار حتى بدا وكأنها عشبة برية عاشت مئات السنين في ربوع صحراء منسية..
يتعثر النصر، ثم ينتظر محبوه الهائمين هذا العوض، كمن ينتظر مسافرًا غاب طويلاً وتقطعت به السبل، وتقطعت أخباره، حتى يأس أهله من عودته التي كانت مثل الأحلام المستحيلة.. يعوض النصر جمهوره ببطولة تسكن الذاكرة والعقل والروح.. يفعل هذا بالطبع والعادة والعُرف والمألوف.. يعوضهم بالدوري.. بالدوري ولا غيره.. والدوري عند النصر بالذات لا يمكن التحصل عليه إلا بقرار.. وهذا هو التاريخ لا يزال مفتوحًا على مصراعيه..
غاب النصر قرابة العشرة أعوام عن تحقيق الدوري، وحين أراد الحصول على اللقب ذهب يفتش في وجوه المدربين عن اسم يجدر به قيادتهم إلى الكنز المفقود.. تشاور عبد الرحمن بن سعود مع من حوله عن ذلك الرجل المجهول.. طرح الدكتور جمال الشرقاوي فكرة الاستعانة بمدرب مغمور لا يملك رصيدًا مغريًا في التحديات المتعبة.. كان الشرقاوي واحدًا من القلائل الذين يحظون بموثوقية رجل النصر الكبير عبد الرحمن بن سعود.. اقترح الشرقاوي البرازيلي جويل سانتا، متسندًا إلى حصوله على الدوري الإماراتي ثلاث مرات متتالية مع الوصل في منتصف الثمانينيات.. اعترض أبو خالد على الفكرة بحجة تدني مستوى قوة تنافسية الدوري الإماراتي.. تمسك الشرقاوي بجدوى التعاقد مع البرازيلي، لأنه يملك القدرة على التعاطي مع الفوز بمسابقات الدوري حتى في مواقع لا يقاس عليها.. وافق أبو خالد بعد ضغوطات رهيبة، وتم التعاقد مع سانتا بالفعل.. وصل منتصف العام 1988 لكن الإدارة النصراوية قالت له نحن نريد الفوز بدوري الموسم المقبل.. بالطبع فاز النصر بذلك الدوري الذي ما زال يتذكره المحتفظون بذكريات النصر كواحد من أمتع المنافسات التي كان فيها النصر متفردًا ومتجهًا بوضوح نحو تحقيق مبتغاه.. يغيب النصر قرابة خمس سنوات أخرى عن الدوري، وتعود ذات الحكايات إلى إشغال النصراويين بهموم انتزاع لقب الدوري.. عام 1993 يواجه النصر أزمة كروية طاحنة كادت تؤدي به إلى الظلام.. قرارات عشوائية وأداء كروي متواضع، وفريق متهالك.. ماجد يغيب بسبب الإصابة، والهريفي يرزح تحت عقوبة انضباطية، والفريق يعيش مرحلة انتقالية متعثرة.. ينجو النصر في ذاك العام من تداعيات قاتلة.. ثم يقرر النصراويون في اجتماع صاخب لأعضاء الشرف احتضنه منزل الأمير منصور بن سعود، إعادة الاصفر إلى اعتلاء الدوري لإثبات أن ما حدث في ذلك الموسم ما كان سوى ليلة عانى فيها النصر من الحمى وارتفاع درجة الحرارة وكانوا يعالجون بوصفة طبية خاطئة.. التعاقد مع مدرب فرنسي يدعى فرنانديز، وثلاثة لاعبين أجانب على مستوى كبير يتقدمهم قائد ألبانيا حسين إزميجاني.. يقدم النصر أداءً متوازنًا ينتهي هو الآخر بدوري جديد.. العام الذي يليه عاد ماجد لعنفوانه، وكتب في سجلات النصر دوريًا يحمل عناوين كبيرة وكثيرة مكتظة بالهجوم والفرح.. يعود للغياب، وهذه المرة غياب
استمر 19 عامًا.. كانت قاسية ومزعجة وممتدة حتى تسلل إلى عقول النصراويين الباطنة بأن الفوز بالدوري من جديد أبعد من نجوم السماء.. حالة يائسة ومحبطة.. واليأس إحدى الراحتين كما كان يقول العرب في كلماتهم المأثورة.. يتولى الأمير فيصل بن تركي زمام الأمور والقيادة.. يضع إعادة النصر للفوز بالدوري هدفًا أساسيًا.. يحاول التعاقد مع الأوروجوياني خورخي داسيلفا، لكنه اعتذر لانشغاله مع فريق دينيارول، الذي كان في طريقه لتحقيق الدوري على يد داسيلفا في الأوروجواي، لكن داسيلفا هذا لم يعتذر فقط، وانما رشح للنصراويين مدربًا آخر هو مواطنه دانيال كارينيو.. بالفعل جاء مارينيو للنصر وخسر معه كأس ولي العهد أمام الهلال عام 2012.. في نهاية الموسم اتصلت بالأمير فيصل أسأله عن استمرار كارينيو في النصر حينها.. قال لي وبالحرف الواحد: «اتفقنا معه على تحقيق بطولة الدوري.. أريد عودة النصر للفوز بالدوري.. وسنحققه».. قرار واضح وصريح ولا لبس فيه.. الهدف هو الدوري.. فيصل بن تركي نفسه كان يصرح بلا أي حرج للإعلام بأن الدوري بالنسبة له أهم حتى من بطولة آسيا.. كان القرار داخل البيت النصراوي هو كسر الحواجز الصلبة بين النصر والدوري.. طبعًا.. طبعًا.. كسب الرهان ونفذ القرار بحذافيره.. الدوري نصراوي..
سنوات أُخر.. مواجع تتجدد.. أحلام تؤجل.. غياب مرير يعيد نفسه عن الدوري.. عام سعود آل سويلم.. عام 2019.. قرار نصراوي في الخفاء والعلن.. الدوري أولًا وأخيرًا.. يريد رئيس النصر، ذاك الشاب القيادي المزدحم بحيوية التحديات والرهانات الرابحة.. أن يبني فريقًا متماسكًا من ألمع أجانب تلك الأيام يصعب مجاراته.. يزلزل الخصوم لكنه كان بحاجة إلى عقلية فنية تديره من الخارج..
وقع الخيار على البرتغالي جارديم ووصل الرياض ليتفاوض مع الإدارة.. من المطار إلى مباراة الوحدة التي احتضنها ملعب الملز.. بعد المواجهة سأله سعود آل سويلم سؤالاً واحدًا: هل تستطيع أن تكمل المهمة معنا بهذا الفريق وتحقق الدوري؟.. قال جارديم لا.. انتهت العلاقة قبل أن تبدأ.. راح النصراويون يبحثون عن برتغالي آخر.. استقروا على فيتوريا الذي قبل خوض المغامرة ونجح فكان أول برتغالي ينتزع دوري المحترفين السعودي.. كان ذاك الدوري نتاج قرار صارم ومحدد.. آل سويلم لم يكن يريد سوى الدوري وقد تحقق..
الأيام تتوالد.. الغياب يمارس هوايته الكريهة.. النصر يدخل عهد رونالدو وحقبة أشهر لاعب في تاريخ كرة القدم على امتداد عمرها الطويل.. ينشد الأصفر بطولة محلية و«الدون» يتوشح شارة القيادة.. سنوات ثلاث بلا فرح.. يقرر الإداريون البرتغاليون الذين يتولون توجيه خيوط اللعبة في النصر تحقيق الدوري.. قرار جديد.. بقي التنفيذ.. الخطوة الأولى التعاقد مع مدرب خبير يعرف كيف تدار اللعبة الفنية أمام الأندية السعودية ولديه القدرة على ضبط غرفة الملابس.. استقروا على جورجي جيسوس.. من اليوم الأول قالها بكل تجرد.. جئت للنصر من أجل الفوز بالدوري.. لا شيء يهمني سوى الدوري.. عملي كله منصب ومركز على الدوري.. وفي النهاية فعلها..
وضع النصراويون أيديهم على قلوبهم خشية أن يغادر الأسطورة البرتغالية كريستيانو رونالد المشهد بالاعتزال دون أن يحقق بقميصهم بطولة مدوية يدونها التاريخ.. رونالدو نفسه تكالبت عليه الضغوط من كل حدب وصوب، وصارت البطولة مع النصر أشبه بالمعجزات.. حكايات يطول الخوض في دروبها..
فاز النصر بالدوري، وذرف رونالدو دموع قادمة من أزمنة تتعارك فيها كل مشاعر البشرية المتشابكة عند حدود صراع دام بين البقاء والأفول.. أكان رونالدو أول لاعب يبكي فرحًا داخل الملعب قبل أن يطلق الحكم صافرة النهاية؟.. دموع غارقة بحكاية حب توارت وترعرت في ليلة ستدخل رسميًا بين قوائم ملحمة ألف ليلة وليلة.. خرج رونالدو من الملعب مستبدلًا لحاجة فنية كروية اعتيادية.. وراح يجلس بجوار الاحتياطيين ليكمل حفلة الدموع الفرحة.. دموع تطوف العالم وتتصدر أخبار الصحف ووكالات الأنباء ومحطات التلفزيون وعوالم السوشال ميديا.. ما ترك رونالدو لدموعه حرية اختيار الزمان والمكان.. كان يغني في داخل روحه في ليلة النصر بصوت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ: «أي دمعة حزن لا لا لا».. ثم ترد عليه جماهير النصر في كل مكان ما قاله نزار قباني في منتصف السبعينيات: «تلك الدموع الهاميات أحبها».. مسح دموعه، وراح يحتضن اللاعبين ويحتفل.. كل شيء اكتمل في يوم النصر الصاخب.. ما كان النصر بحاجة حدث سيروى كصورة لن تغادر أرشيف الدوري ربما لمائة عام قادمة.. رونالدو يستعين بالطبلة العملاقة، التي طالما وقف متأملًا على قرعاتها بعد كل مباراة يخرج فيها النصر منصورًا ومنتصرًا.. الآن يجب أن تتبدل الأدوار.. رونالدو يطبل.. والعالم كله يتسمر.. إنها حكاية تختصر الأداء النضالي لرونالدو مع النصر.. تختصر حكاية النصر كاملة.. حكاية قرارات الدوري.. حكاية أن الفرحة حين تتصبغ باللون الأصفر ستكون شيء يشبه الحب الممنوع، ولقاء الوداع في أفلام الدراما الرومانسية..
دموع رونالدو.. طبل رونالدو.. أغاني فهد بن سعيد.. قرارات أصحاب القرار النصراوي بالحصول على الدوري.. «عوض بعد ما خسر».. خسر نهائي آسيا2.. خسر بالتعادل الصادم أمام الهلال.. تمسك أضداده بأن يخذله الحظ التعيس.. لا شيء غير النحس يمكن الرهان عليه لتسقط فرقة جيسوس.. فاز وعوض بعد ما خسر.. عاد فهد بن سعيد من الزمن..
هناك أشياء متضادة لا يمكنها أن تتجمع سوى في فريق واحد يسمى النصر..!!.


Google News تابع آخر أخبار الرياضية على Google News