يُصنَّف الهيام بأنه أعلى مراتب الحب، ومنه قصة هيام قيس بن الملوح بليلى العامرية حيث تجاوز عشقه إلى الوله والهيام، فأحبها منذ صغرهما، ولما مُنِع من الارتباط بها، انعزل عن الناس، وصار يهيم في «الفلوات»، وينشد الشعر حتى لُقِّب بالمجنون، وأُطلِق عليه لقب «مجنون ليلى». ومن فرط هيامه بها أنه صار يمرُّ بديارها، ويُقبِّل جدرانها، فيقول:
أمر على الديار ديار ليلى **** أقبِّل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي **** ولكن حب من سكن الديار
بل إن هيامه تجاوز ذلك إلى عشقه الأسماء التي تُوافق اسمها، بل وعشق كل اسمٍ شابه اسمها، أو كان منه مدانيًا، فيقول:
أحب من الأسماء ما وافق اسمها *** أو أشبهه أو كان منه مدانيا
تذكَّرتُ هذه القصة وأنا أشاهد تتويج فريق النصر الأول لكرة القدم مساء الجمعة الفائت في ملعب الأول بارك بعد حصوله على أصعب دوري في تاريخ الكرة السعودية على الرغم من كل العقبات والتحديات والعراقيل التي وُضِعت في طريقة، إذ إن عدالة رب العالمين أنصفت في النهاية الأحق، وعوَّضت جمهوره العاشق، بل الهائم.
لست هنا بصدد الحديث عن مسيرة النصر خلال موسمٍ شاقٍّ ومعقَّدٍ، ولا عن كرة القدم، ولا عن الظاهرة الفريدة رونالدو، الذي انهمرت دموعه فرحًا بعد اطمئنانه على النتيجة، وضمان تحقيق فريقه الدوري حين كانت المباراة الختامية التي حُشدت لها طاقاتٌ وتحالفاتٌ وتحفيزٌ من قِبل الخصوم غير مسبوقٍ.
في الواقع هناك الكثير مما ينبغي أن يُقال، لكن حديثي سيتركَّز على جمهور النصر الذي يُعدُّ حالةً فريدةً تستحقُّ التمعُّن والدراسة.
في قانون الحياة كل عطاءٍ لابدَّ أن يكون له مقابلٌ. الاستثناءات هنا قليلةٌ جدًّا: الوالدان لأبنائهما، والعاشق الهائم لمعشوقته، وقد تكون قصة قيس بن الملوح، التي سقناها في مطلع المقال، مثالًا حيًّا على ذلك.
وحين يأتي الحديث عن جمهور النصر وعلاقته بناديه، فالهيام هنا يكون من نوعٍ آخرَ. إنها علاقةٌ لا تخضع لأي قانونٍ، ولا علاقة لها بالمقابل، ولا بالنتائج والألقاب، ولا تُقاس بعدد الانتصارات.
ثمَّة نوعٌ من العشق، يصفه علماء النفس بأنه صورةٌ من الارتباط العاطفي العميق غير المشروط. إنه حبٌّ لا ينتظر مقابلًا، ولا تُضعفه الخسارات، ولا تُبدِّله العقبات. وفي الأنثروبولوجيا يمكن النظر إليه بوصفه عشقًا متساميًا، يتجاوز المنفعة إلى الهوية والانتماء والمعنى، وهذه الحالة تكاد تتجسَّدُ في علاقة جمهور النصر بناديه.
لم يكن الطريقُ مفروشًا باليقين، ولم يكن الوصول نتيجةَ خطٍّ مستقيمٍ. كانت هناك أعوامٌ من الترقُّب، وضغوط المنافسة، وتقلُّبات المشهد الرياضي، لكنَّ جمهور النصر ظل على حاله ثابتًا لا لأن الطريق كان سهلًا، بل لأن الانتماء نفسه صار قيمةً مستقلَّةً عن النتيجة.
هذا اللون من العشق عرفه العرب قديمًا حين جعلوا الوفاء امتحانًا للحب لا نتيجةً له، فها هو عنترة بن شداد يقول مخاطبًا معشوقته عبلة بنت مالك، ومُعبِّرًا عن صبره على البُعد والمشقَّة، ولا يطلب عوضًا، ولا يُبدِّل ودّه:
ولقد ذكرتكِ والرماحُ نواهل*** مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها *** لمعت كبارق ثغرك المتبسم
فذكر عنترة لعبلة هنا لا تهزمه الحرب، ولا يطفئه الألم، كما لا تطفئ الخساراتُ تعلُّق جمهور النصر بناديه.
وأجزم بأن قيمًا مثل الصبر، وقبول التحدي، وعشق المعاناة، أصبحت من الأشياء المحبَّبة لجمهور النصر، لأنها قيمٌ ثابتةٌ تتجسَّد في ثقافة ناديهم، لذا تجدهم مختلفين عن غيرهم من الجماهير التي تعوَّدت على النوم على وسائدَ مخمليةٍ!
إن مشهد جمهور النصر في لحظات التتويج أوحى لي بمطلع قصيدةٍ، كتبها امرؤ القيس، وهو يُخاطب صاحبَيه، يقول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ولعل جمهور النصر عاش شيئًا من هذا المعنى، إذ لم يكن انتظاره انتظار متفرجٍ يطلب المتعة، بل انتظار صاحب قضيةٍ يرى في ناديه جزءًا من هويته، لذا بدا التتويج بالدوري وكأنه لحظة انكشافٍ طويلة: لم يكن اللقب مكافأةً على موسمٍ فحسب، بل شهادة على وفاءٍ امتدَّ سنواتٍ.
ومن هنا يحضر المتنبي، شاعر الكبرياء والعزيمة، وكأنَّه يصف روح الجماهير التي تمسَّكت بالأمل على الرغم من وعورة الطريق، فيقول:
على قدرِ أهلِ العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
فالعزيمة ليست في لحظة رفع الكأس، بل في الاستمرار قبلها.
وفي بيتٍ آخرَ يقول:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
وكأن هذا البيت يُلخِّص فلسفة جمهورٍ يرى أن الطموح لا يلغيه التأخر، وأن المجد لا يُستعار بل يُنتزع بالصبر.
لقد أثبتت تجربة النصر أن الحب الرياضي في أرقى صوره ليس تبادلًا بين فوزٍ وتشجيعٍ، بل علاقة وجودية: جمهورٌ يهب صوته وحضوره ووجدانه دون ضماناتٍ، وفريقٌ يحمل على كتفيه أحلامًا كبرى، وتاريخًا مثقلًا بالبياض، وذاكرة تنوء بعديدٍ من الألوان.
وحين جاء لقب دوري روشن، لم يكن مجرد بطولةً تُضاف إلى الخزائن، بل بدا وكأنه لحظة تصالحٍ بين الصبر والثمرة، بين العشق والوفاء. كأن الجماهير كانت تردِّد مع المتنبي:
ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يدركهُ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ
ثم جاءت اللحظة التي انقلب فيها المعنى، لتقول إن بعض السفن، مهما تأخرت، فهي حتما ستصل.
وهكذا، يظل جمهور النصر مثالًا لحالة عشقٍ لا تُبدِّلها التحديات، ولا تُنقصها العقبات، لأنها لم تُبنَ على المكسب، بل على الانتماء؛ والانتماء، إذا صدق، صار شبيهًا بما عرفه الشعراء القدامى: وفاء يمتحنه الزمن فيزداد رسوخًا.
أمر على الديار ديار ليلى **** أقبِّل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي **** ولكن حب من سكن الديار
بل إن هيامه تجاوز ذلك إلى عشقه الأسماء التي تُوافق اسمها، بل وعشق كل اسمٍ شابه اسمها، أو كان منه مدانيًا، فيقول:
أحب من الأسماء ما وافق اسمها *** أو أشبهه أو كان منه مدانيا
تذكَّرتُ هذه القصة وأنا أشاهد تتويج فريق النصر الأول لكرة القدم مساء الجمعة الفائت في ملعب الأول بارك بعد حصوله على أصعب دوري في تاريخ الكرة السعودية على الرغم من كل العقبات والتحديات والعراقيل التي وُضِعت في طريقة، إذ إن عدالة رب العالمين أنصفت في النهاية الأحق، وعوَّضت جمهوره العاشق، بل الهائم.
لست هنا بصدد الحديث عن مسيرة النصر خلال موسمٍ شاقٍّ ومعقَّدٍ، ولا عن كرة القدم، ولا عن الظاهرة الفريدة رونالدو، الذي انهمرت دموعه فرحًا بعد اطمئنانه على النتيجة، وضمان تحقيق فريقه الدوري حين كانت المباراة الختامية التي حُشدت لها طاقاتٌ وتحالفاتٌ وتحفيزٌ من قِبل الخصوم غير مسبوقٍ.
في الواقع هناك الكثير مما ينبغي أن يُقال، لكن حديثي سيتركَّز على جمهور النصر الذي يُعدُّ حالةً فريدةً تستحقُّ التمعُّن والدراسة.
في قانون الحياة كل عطاءٍ لابدَّ أن يكون له مقابلٌ. الاستثناءات هنا قليلةٌ جدًّا: الوالدان لأبنائهما، والعاشق الهائم لمعشوقته، وقد تكون قصة قيس بن الملوح، التي سقناها في مطلع المقال، مثالًا حيًّا على ذلك.
وحين يأتي الحديث عن جمهور النصر وعلاقته بناديه، فالهيام هنا يكون من نوعٍ آخرَ. إنها علاقةٌ لا تخضع لأي قانونٍ، ولا علاقة لها بالمقابل، ولا بالنتائج والألقاب، ولا تُقاس بعدد الانتصارات.
ثمَّة نوعٌ من العشق، يصفه علماء النفس بأنه صورةٌ من الارتباط العاطفي العميق غير المشروط. إنه حبٌّ لا ينتظر مقابلًا، ولا تُضعفه الخسارات، ولا تُبدِّله العقبات. وفي الأنثروبولوجيا يمكن النظر إليه بوصفه عشقًا متساميًا، يتجاوز المنفعة إلى الهوية والانتماء والمعنى، وهذه الحالة تكاد تتجسَّدُ في علاقة جمهور النصر بناديه.
لم يكن الطريقُ مفروشًا باليقين، ولم يكن الوصول نتيجةَ خطٍّ مستقيمٍ. كانت هناك أعوامٌ من الترقُّب، وضغوط المنافسة، وتقلُّبات المشهد الرياضي، لكنَّ جمهور النصر ظل على حاله ثابتًا لا لأن الطريق كان سهلًا، بل لأن الانتماء نفسه صار قيمةً مستقلَّةً عن النتيجة.
هذا اللون من العشق عرفه العرب قديمًا حين جعلوا الوفاء امتحانًا للحب لا نتيجةً له، فها هو عنترة بن شداد يقول مخاطبًا معشوقته عبلة بنت مالك، ومُعبِّرًا عن صبره على البُعد والمشقَّة، ولا يطلب عوضًا، ولا يُبدِّل ودّه:
ولقد ذكرتكِ والرماحُ نواهل*** مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها *** لمعت كبارق ثغرك المتبسم
فذكر عنترة لعبلة هنا لا تهزمه الحرب، ولا يطفئه الألم، كما لا تطفئ الخساراتُ تعلُّق جمهور النصر بناديه.
وأجزم بأن قيمًا مثل الصبر، وقبول التحدي، وعشق المعاناة، أصبحت من الأشياء المحبَّبة لجمهور النصر، لأنها قيمٌ ثابتةٌ تتجسَّد في ثقافة ناديهم، لذا تجدهم مختلفين عن غيرهم من الجماهير التي تعوَّدت على النوم على وسائدَ مخمليةٍ!
إن مشهد جمهور النصر في لحظات التتويج أوحى لي بمطلع قصيدةٍ، كتبها امرؤ القيس، وهو يُخاطب صاحبَيه، يقول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ولعل جمهور النصر عاش شيئًا من هذا المعنى، إذ لم يكن انتظاره انتظار متفرجٍ يطلب المتعة، بل انتظار صاحب قضيةٍ يرى في ناديه جزءًا من هويته، لذا بدا التتويج بالدوري وكأنه لحظة انكشافٍ طويلة: لم يكن اللقب مكافأةً على موسمٍ فحسب، بل شهادة على وفاءٍ امتدَّ سنواتٍ.
ومن هنا يحضر المتنبي، شاعر الكبرياء والعزيمة، وكأنَّه يصف روح الجماهير التي تمسَّكت بالأمل على الرغم من وعورة الطريق، فيقول:
على قدرِ أهلِ العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
فالعزيمة ليست في لحظة رفع الكأس، بل في الاستمرار قبلها.
وفي بيتٍ آخرَ يقول:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
وكأن هذا البيت يُلخِّص فلسفة جمهورٍ يرى أن الطموح لا يلغيه التأخر، وأن المجد لا يُستعار بل يُنتزع بالصبر.
لقد أثبتت تجربة النصر أن الحب الرياضي في أرقى صوره ليس تبادلًا بين فوزٍ وتشجيعٍ، بل علاقة وجودية: جمهورٌ يهب صوته وحضوره ووجدانه دون ضماناتٍ، وفريقٌ يحمل على كتفيه أحلامًا كبرى، وتاريخًا مثقلًا بالبياض، وذاكرة تنوء بعديدٍ من الألوان.
وحين جاء لقب دوري روشن، لم يكن مجرد بطولةً تُضاف إلى الخزائن، بل بدا وكأنه لحظة تصالحٍ بين الصبر والثمرة، بين العشق والوفاء. كأن الجماهير كانت تردِّد مع المتنبي:
ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يدركهُ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ
ثم جاءت اللحظة التي انقلب فيها المعنى، لتقول إن بعض السفن، مهما تأخرت، فهي حتما ستصل.
وهكذا، يظل جمهور النصر مثالًا لحالة عشقٍ لا تُبدِّلها التحديات، ولا تُنقصها العقبات، لأنها لم تُبنَ على المكسب، بل على الانتماء؛ والانتماء، إذا صدق، صار شبيهًا بما عرفه الشعراء القدامى: وفاء يمتحنه الزمن فيزداد رسوخًا.