مررت اليوم بجانب منزل جارتي كاثرين، كنت أتبادل الأحاديث معها ونحن في مشوارنا اليومي بانتظار الباص نحو البلدة القريبة، عندما سكنت مقابل بيتها كانت في أواخر الثمانينيات من عمرها لكنها نشطة، تبتكر احتياجات ليست بحاجتها فعليًا، تبتكرها كي تصنع مشوارها اليومي. مرة تبحث في السوق عن قطعة قماش تجدد فيها مخدتها، ومرة عن كوب قهوة خزفي، ومرة لشراء البسكويت الذي يحبه أحفادها الذين يعيشون في بيت ابنتها القريب، وفي بعض المرات تكون صريحة: لا شيء عندي أفعله في البيت، أريد رؤية الناس في البلدة. في آخر عامين بدا عليها التعب، خطواتها أصبحت أبطأ، وأكتافها بدت تتقوس، وصوتها منخفض لا أسمع منه نصف ما تقول، أهز رأسي لها موافقًا على ما تقوله بينما أفهم كل ما تقول، كان من العبث الطلب منها إعادة ما قالته كل مرة. في العام الأخير بلغت 92 عامًا، قالت لي أثناء انتظار الباص وقبل أن تسقط من سلم منزلها بأيام بأنها تشعر بالملل.. سألتها: الملل من ماذا؟.. كنت أظن أنها ملت انتظار الباص الذي صار التأخر من عادته.. أجابت: مللت من الحياة! في زيارتي الأخيرة لها لم أستطع لقاءها عند الباب مثل كل مرة لكي أطمئن عليها وأعطيها هديتها من علب الحلوى.. فتحت ابنتها الباب وقالت أمي في الطابق الأعلى ولا تستطيع النزول، سألتها عن صحتها وأعطيتها علبة الحلوى وكانت على شكل قلب، لم أنتبه أو أحسب حسابًا لشكل العلبة عندما اشتريتها من الدكان القريب، أوصيت ابنتها أن تقول لها بأني مشتاق لأحاديثها، وسأنتظرها دائمًا عند موقف الباص. بعد شهر من سفري اتصل ابني وأبلغني بوفاتها. تذكرت وجهها وما بقي من أحاديثها، وصفها للحياة في الحي عندما سكنت فيه قبل 60 عامًا، ابتسامتها الدائمة، وتذكرت أنها غادرت بعدما اكتفت من الحياة. بعد عدة شهور صادفت ابنتها في البلدة، قالت: هل تذكر الحلوى التي أحضرتها؟ قلت نعم. قالت: لقد مازحنا أنا وأختي أمي كثيرًا عن السبب الذي أحضرت لها حلوى على شكل قلب، كنا نسألها دائمًا حتى قبل رحيلها بأيام عن السبب، وإن كانت تتلقى مني رسائل وأشعار، وإن كنا نمشي في البلدة سويًا.. وكانت تضحك في كل مرة. ضحكتُ ولم أطل في الكلام معها لأن الحديث عن والدتها الراحلة قد يسرق ابتسامتها التي قابلتني بها. بعد أيام وصلتني رسالة من ابنتها كانت عبارة عن كتيب صغير جدًا عن والدتها، كان مليئًا بصورها وهي شابة جميلة، وعلى وجهها ابتسامة جذابة أخفاها عني تقدمها في العمر. صورة في فستان زفافها مع زوجها الذي غادر قبلها بـ 15 عامًا، وصورة أمام منزلها الريفي قبل زواجها، وأخرى وهي مراهقة. أكملت الصور الجزء المفقود عندي عنها، فأنا لم أعرفها إلا وهي في أواخر رحلتها. كم يظلم التقدم في العمر الإنسان عندما يمحو عن وجهه تاريخ شبابه الجميل، لكنها الحياة. هذه المرة عندما مررت بجانب بيتها لم أتذكرها المرأة العجوز فقط، بل تلك الشابة الجميلة أمام منزلها الريفي.