خالد الربيعان
فيفا الازدواجية
2026-06-14
مع الفيفا في كأس العالم، عادت كرة القدم لتكشف حقيقة يعرفها الجميع، ويتجنب كثيرون الحديث عنها، اللعبة التي ترفع شعار العدالة ليست دائمًا محكومة بالمعايير ذاتها، واللوائح التي يُفترض أن تُطبق على الجميع تتحول أحيانًا إلى نصوص مرنة تتمدد أو تنكمش بحسب هوية الدولة وقوة نفوذها وحجم تأثيرها في المشهد الدولي.
لسنوات طويلة كانت الفيفا تتحدث عن المعايير المثالية للتنظيم، سمعنا عن اشتراطات الملاعب، والطاقة الفندقية، ووسائل النقل، والتأشيرات، وسهولة حركة الجماهير، والبيئة التشغيلية للمنتخبات، وإعطاء من هو غير مرحب «المقرفين» به في الدولة المستضيفة تأشيرة دخول والإصرار على عليهم وتهديد بسحب الاستضافة، كانت هذه الملفات تُستخدم أحيانًا سلاحًا إعلاميًا ضد بعض الدول المستضيفة، وكأن نجاح البطولة مرهونًا بتفاصيل لا يمكن التنازل عنها. لكن المفارقة أن العالم يكتشف اليوم أن كثيرًا من تلك المعايير ليست مقدسة كما صُورت سابقًا، بل يمكن إعادة تفسيرها أو تجاوزها أو التخفيف من حدتها عندما تتغير الجغرافيا وتتغير القوة والمصالح.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل كانت المشكلة يومًا في المعايير نفسها أم في هوية من يطبق عليه تلك المعايير؟
كرة القدم لم تعد رياضة فقط. نحن نتحدث عن صناعة عالمية تقدر بمئات المليارات من الدولارات، وعن حدث قادر على تحريك اقتصادات كاملة وإعادة رسم صورة الدول أمام العالم. ولذلك فإن استضافة كأس العالم لم تعد ملفًا رياضيًا بحتًا، بل أصبحت مشروعًا اقتصاديًا واستثماريًا وسياسيًا وإعلاميًا ضخمًا. ومن هنا تبدأ الإشكالية الحقيقية.
عندما تُحرم جماهير بعض الدول من الوصول بسهولة إلى المباريات، أو تواجه تعقيدات في التأشيرات، أو تصطدم بقيود لوجستية تؤثر على حضورها، فإن القضية لا تتعلق بالمشجع فقط. نحن نتحدث عن خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، وعن تراجع في الإنفاق السياحي، وعن إضعاف أحد أهم عناصر نجاح البطولة. فالجماهير ليست ديكورًا في المدرجات كما الجماهير الأمريكية والكندية، بل جزءًا أساسيًا من اقتصاد الحدث ومن قيمته التسويقية والإعلامية.
وعندما تواجه المنتخبات تحديات تتعلق بالتنقل أو الإقامة أو الجوانب التشغيلية، فإن ذلك لا ينعكس على الأداء الرياضي فقط، بل يطرح تساؤلات حول العدالة التنافسية التي تتغنى بها المؤسسات الرياضية الدولية. فإذا كانت العدالة أساس المنافسة، فمن الطبيعي أن تشمل العدالة كل ما يحيط بالمنافسة، لا أن تقتصر على ما يحدث داخل المستطيل الأخضر.
الأكثر إثارة للانتباه أن بعض الأصوات التي كانت تملأ العالم ضجيجًا في بطولات سابقة أصبحت أكثر هدوءًا اليوم. بعض الانتقادات التي كانت تُقدم على أنها معارك أخلاقية كبرى اختفت فجأة أو تراجعت حدتها بشكل ملحوظ. وكأن المشكلة لم تكن في المبدأ، بل في المكان. لم تكن في المعيار، بل في الجهة التي يُطبق عليها المعيار.
هذه الازدواجية لا تضر بالدول المستضيفة فقط، بل تضرب مصداقية المنظومة الرياضية العالمية في الصميم. لأن الجماهير ليست غبية، والأسواق ليست عمياء، والمستثمرون يدركون جيدًا متى تكون اللوائح ثابتة، ومتى تتحول إلى أدوات انتقائية.
وفي عالم أصبح يعتمد على البيانات والشفافية والحوكمة، لم يعد من السهل إقناع الناس بأن المعيار واحد بينما الوقائع تقول شيئًا مختلفًا. فإما أن تكون شروط التنظيم واحدة للجميع، وإما أن نعترف بأن السياسة والاقتصاد والنفوذ أصبحت شركاء غير معلنين في صناعة القرارات الرياضية الكبرى.
كأس العالم يجب أن يكون احتفالًا عالميًا باللعبة، لا اختبارًا لمدى قوة الدول داخل مراكز النفوذ. ويجب أن تكون حقوق الجماهير، وسهولة انتقال المنتخبات، وعدالة الفرص، وجودة التنظيم، ملفات لا تخضع للمساومة أو التفسير الانتقائي. لأن الخطر الحقيقي ليس في فشل بطولة هنا أو هناك، بل في تآكل الثقة بالمنظومة نفسها.
الشغف الحقيقي بكرة القدم لا يقاس بعدد الأهداف، ولا بحجم الكؤوس، ولا بقيمة العقود والرعايات. الشغف الحقيقي يظهر عندما يكون الجميع مستعدين للدفاع عن المبدأ نفسه مهما اختلفت الأسماء والجنسيات والقارات. أما عندما تتغير المواقف بتغير المصالح، وتُفصل المعايير على مقاس القوة، فإننا لا نكون أمام أزمة تنظيم، بل أمام أزمة مصداقية الفيفا.
وفي النهاية، قد تستطيع المؤسسات الرياضية إدارة البطولات، وقد تستطيع الحكومات بناء الملاعب والفنادق وشبكات النقل، لكن الشيء الوحيد الذي لا يمكن شراؤه، أو فرضه، أو الترويج له، هو ثقة الجماهير بمنظومة الفيفا. وعندما تبدأ الجماهير في التشكيك بعدالة المعايير، فإن الخسارة تتجاوز نتيجة مباراة أو نجاح بطولة، لتصل إلى قيمة اللعبة نفسها. وهذه خسارة لا تستطيع كل مليارات كرة القدم تعويضها.