زيكو.. ترك البحر وأعاد كتابة التاريخ
وقف مصطفى عبد الرؤوف على شرفة الشاليه في الساحل الشمالي يشمّ رائحة البحر المالحة ويرتشف قهوته الصباحية.
الحقيبة مفتوحة، والملابس الصيفية مرتبة بعناية، كان يخطط لأيام هادئة مليئة بالنوم والسباحة والضحك مع الأصدقاء، بعيدًا عن صخب الملاعب وأنوارها.
رن هاتفه فجأة وانقلب كل شيء: «مصطفى، حسام حسن عايزك دلوقتي.. المنتخب محتاجك».
لم يصدق في البداية، ظن أنها مزحة، لكنه بعد ساعات قليلة كان على متن طائرة، يترك وراءه البحر الأبيض المتوسط ويتوجه صوب معسكر المنتخب، ثم إلى فانكوفر، حيث تنتظره كأس العالم.
في الملعب، لم يعد مصطفى عبد الرؤوف ذلك اللاعب المغمور الذي يلعب لبيراميدز، أصبح «زيكو».
دخل المباراة ضد نيوزيلندا وكأنه يعرف كل شبر في الملعب، في الدقائق الأولى، كان يجري بلا كلل، يفتح المساحات، يضغط على المدافعين ثم جاءت اللحظة التي لن ينساها أحد.
استقبل الكرة على حدود الصندوق، راوغ مدافعًا ببراعة، وسدَّد بقوة في الشباك.. هدف أول.
بعدها، وفي لمحة فنية خالصة، تلقى الكرة داخل منطقة الجزاء، وأدار كعبه بذكاء فأرسل تمريرة حاسمة إلى محمد صلاح الذي لم يتردد في إيداعها الشباك.
انتهت المباراة بفوز مصر 3ـ1. فوز تاريخي.. الأول في كأس العالم على مر تاريخ مشاركاتها.
بعد صافرة النهاية، وقف زيكو وتجمّع الصحافيون حوله، رفع يده يمسح العرق عن جبينه وقال بصوت لا يزال يحمل أثر التعب: «كنت بعيدًا تمامًا عن المنتخب.. والله ما كنت أتوقع.. كنت في الساحل، على وشك أبدأ إجازتي.. فجأة المدرب حسام حسن يتصل ويجيبني».
وأضاف بتواضع ممزوج بالفخر: «من أول دقيقة، المدرب أعطانا ثقة.. الحمد لله ما خيبتش ظنه ولا لثانية. بس لسه ما خلصناش حاجة. نحن أقوى فريق في إفريقيا.. ليه ما نروحش أبعد نقطة ممكنة في البطولة دي؟».
كان زيكو «29 عامًا» يتكلم وهو ينظر إلى الأرض، كأنه يذكّر نفسه أن الحلم لا يزال في بدايته.
اللاعب الذي يستطيع أن يلعب مهاجمًا صريحًا أو جناحًا أيمن أو أيسر، تحوَّل في أيام قليلة من لاعب احتياطي إلى واحد من أبرز نجوم الفراعنة.
اللاعب الذي يُطلق عليه لقب «زيكو»، تيمنًا بالأسطورة البرازيلية، في تقليد مصري عريق يعتمد على اختيار أسماء نجوم العالم كألقاب شهرة، سجَّل في التجريبيات أمام روسيا والبرازيل، وأكمل المهمة في المونديال.
البارحة، بينما كان يغلق عينيه في غرفة الفندق، عاد إلى ذهنه صوت أمواج الساحل الشمالي، لكن هذه المرة لم يحن إليها، لقد وجد بحرًا أكبر.. بحر المجد.
