د. إبراهيم بكري
اليابان مشروع رياضي ناجح
2026-07-03
في كرة القدم، لا تصنع الإنجازات المصادفة، ولا يكتب التاريخ فصوله بالموهبة وحدها. فالمنتخبات التي تفرض احترامها عالميًا هي تلك التي تؤمن بأن النجاح يبدأ من التخطيط قبل أن يصل إلى منصة التتويج. وهذا ما جسدته اليابان، التي تحولت خلال ثلاثة عقود من منتخب يبحث عن إثبات وجوده إلى منافس يفرض نفسه أمام كبار العالم بفضل مشروع رياضي متكامل.

لم تعد مشاركة المنتخب الياباني في كأس العالم مجرد حضور شرفي، بل أصبحت محطة ينتظرها المتابعون لما يقدمه من كرة قدم منظمة وشخصية تنافسية واضحة. ولم يعد خروجه من البطولة يُفسر بفارق الإمكانات، بل بتفاصيل صغيرة تحسمها خبرة المنتخبات العريقة في اللحظات الحاسمة.

وقد كانت مواجهته الأخيرة أمام البرازيل خير دليل على ذلك. فعلى الرغم من الخسارة بهدفين مقابل هدف، قدم المنتخب الياباني مباراة أكدت حجم التطور الذي وصل إليه. تقدم في النتيجة، وأجبر البرازيل على البحث عن العودة حتى الدقائق الأخيرة، قبل أن تحسم الخبرة المواجهة. ورغم استحواذ البرازيل على الكرة بنسبة 60 بالمئة فإن اليابان حافظت على تنظيمها وانضباطها، وأثبتت أنها أصبحت قادرة على مجاراة أقوى منتخبات العالم حتى صافرة النهاية.
ولم يكن هذا التطور وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية بعيدة المدى بدأت من الأكاديميات، ومرّت بتطوير مسابقات الفئات السنية، وتأهيل المدربين، ووضع فلسفة كروية موحدة ترافق اللاعب منذ المراحل الأولى، لذلك جاءت النتائج انعكاسًا طبيعيًا لجودة العمل، لا لردة فعل مؤقتة بعد كل إخفاق.
كما أدركت اليابان أن تطور اللاعب لا يكتمل داخل حدود الدوري المحلي، فشجعت الاحتراف الخارجي حتى أصبح اللاعب الياباني حاضرًا في أبرز الدوريات الأوروبية. وهناك اكتسب خبرات فنية وذهنية جعلته أكثر قدرة على المنافسة، ورسخ صورة اللاعب المنضبط والملتزم، وهي صفات جعلت الأندية الكبرى تنظر إليه بثقة متزايدة.
لا يبقى إلا أن أقول:
إن التجربة اليابانية تؤكد أن كرة القدم تكافئ من يخطط أكثر مما تكافئ من ينفق، ومن يصبر أكثر مما تكافئ من يبحث عن الحلول السريعة. فاليابان لم تصل إلى مكانتها بفضل جيل استثنائي، بل بفضل مشروع استثنائي. وبين منتخب كان يحلم بالمشاركة قبل سنوات، ومنتخب يقارع اليوم أبطال العالم بثقة، تتجسد حقيقة واحدة: المستقبل في كرة القدم لا تصنعه الأحلام وحدها، بل تصنعه المشاريع التي تؤمن بأن النجاح رحلة طويلة، لا نتيجة عابرة.
هنا يتوقف نبض قلمي وألقاك بصحيفتنا «الرياضية» وأنت كما أنت جميل بروحك، وشكرًا لك.