حبشي الشمري
عندما يشع القميص الرياضي حضارة
2026-07-04
بذلت المنتخبات الـ48 المتأهلة إلى مونديال كأس العالم لكرة القدم 2026 ما بوسعها، لتسجيل حضور مميز، على مرأى من الحاضرين في تلك الملاعب، أو عبر الشاشات المتنوعة، من تلفزيونات أو شاشات العرض الخارجية أو الجدارية. بيد أن عددًا محدودًا منها نجح بطريقة ما في إيصال العمق الحضاري لبلده إلى أصقاع الكوكب، من خلال لمسات احترافية.
ولئن سألت كثيرين حتى اللحظات الأولى من انطلاق أولى مباريات المنتخب النرويجي: لماذا كُتبت أسماء لاعبي المنتخب الإسكندنافي بذلك النوع من الخطوط؟ فإنهم سيجدون أنفسهم حيارى، لكن هؤلاء الكثر ـ وأنا أحدهم ـ أدركنا فيما بعد أن أسماء اللاعبين وأرقامهم مستوحاة من الأحرف الرونية «إلدر فوثارك » «Elder Futhark»، وهو نظام كتابة قديم لدى الشعوب الجرمانية والإسكندنافية، وهدف المنتخب من ذلك إبراز الهُوية الثقافية النرويجية وتراثها أمام الأمم.
ومثلهم، وإن بشكل آخر، توشحت القمصان المغربية بالتطريز المحلي العريق الذي يستمد عمقه من مدينة فاس الضاربة في عمق التاريخ، حيث تنصهر الحضارات العربية والأندلسية والأمازيغية. ورُصِّعت ياقات القمصان بأشكال الزليج، ذلك الفن المعماري المتأصل في المغرب منذ نحو عشرة قرون.
أما قمصان المنتخب المكسيكي، فقد تزينت بأشكال هندسية، تمثل حجر الشمس «Aztec sun stone» الرامز إلى حضارة أزتك التي ازدهرت في أمريكا الوسطى قبل وصول المستكشف الإيطالي كريستوفر كولومبوس إلى سواحل الأمريكيتين، في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي.
وعلى الرغم من أن المونديال ساحة تنافس على كأس مخصصة لأبطال لعبة كرة القدم، فإنها فرصة حقيقية وسانحة لإيصال رسائل الأوطان إلى شعوب العالم، وتسويق ذواتها بأفضل الطرق والوسائل.
وفي خضم الزحام حول الإجابة عن تساؤلات كثر بشأن مسؤولية الحضور الكروي الباهت للأخضر في المونديال، ثمة رؤى تشع بالوعي والحكمة، ومن بينها كلمات سعود المشهور، ذلك الأكاديمي المختص في الاتصال الجماهيري السياسي، الذي أشار بهدوء وبصيرة في مقال نشره الأسبوع الفائت في الزميلة صحيفة مكة، إلى أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل لغة نفوذ عالمي تعيد تشكيل الوعي، وتفتح أبوابًا لا تفتحها الدبلوماسية التقليدية.
ومثل صوت هذا الأكاديمي، أصوات كثر تعاين الأمور بشكل أكثر عمقًا، نحتاج لسماعها ونحن نتطلع إلى مستقبل أفضل لرياضاتنا بمجالاتها المتنوعة، وليست كرة القدم فحسب، راجين أن تكون بوابة لآفاق أرحب وصورة أبهى للوطن.