المونديال يسرق لحظات ميورا الخالدة

الدمام ـ خالد الشايع 2026.07.08 | 06:06 pm

سرق الاهتمام بكأس العالم 2026 الأنظار عن خبر إعلان نادي فوكوشيما يونايتد الياباني تجديد عقد لاعبه الأسطوري كازويوشي ميورا حتى يونيو 2027، ليمر الخبر دون أن ينتبه له كثيرون، فأنظار ملايين المشجعين حول العالم كانت مصوبة نحو الغرب وليس الشرق.
يعني هذا التجديد أن اللاعب الأكبر سنًا في تاريخ كرة القدم الاحترافية سيدخل عامه الستين وهو لا يزال يركض داخل المستطيل الأخضر، ليخوض موسمه الـ42 في مسيرة إعجازية كسر فيها أخيرًا رقمًا قياسيًا عالميًا جديدًا في موسوعة جينيس كأكبر لاعب يشارك في مباراة رسمية بعمر 59 عامًا و3 أشهر و12 يومًا.
المفارقة التاريخية أن «الملك كازو» الذي يجدد عقده وسط أجواء المونديال، لم يسبق له أبدًا أن وطأت قدماه أرضية الملعب في أي بطولة كأس عالم طوال حياته، في مسيرة بدأت فصولها الفنية في أوائل ثمانينيات القرن الماضي عندما كانت اليابان تعيش عزلة كروية تامة دون أي دوري للمحترفين.
وفي تلك الفترة، وتحديدًا عام 1981، أطلق الكاتب الياباني يويتشي تاكاهاشي سلسلة الأنمي الشهيرة «الكابتن تسوباسا» المعروفة عربيًا باسم «كابتن ماجد»، ليتخذ الفتى ميورا في العام التالي مباشرة قرارًا غيّر مجرى حياته بالكامل، حيث ترك مدرسته الثانوية وهو في سن الـ15 فقط، وسافر وحيدًا إلى البرازيل ليحرك الخيال ويحوله إلى واقع ملموس.
يعتقد كثيرون أن قصة الكابتن ماجد استوحيت من مسيرة ميورا، غير أن العكس هو ما حدث، إذ استلهم ميورا مستقبله من الروايات المصورة الشهيرة، وفي فصول لاحقة، صار هو بطل قصته المفضلة، وفي عام 1990، ألهمت قصته الفريدة مؤلف «كابتن ماجد» بشكل مباشر، فدمج واقع ميورا في خيال الأنمي بإرسال «ماجد كامل» للاحتراف في البرازيل، واللعب لنادي ساو باولو في الأجزاء المتقدمة.
لم يكن هناك دوري للمحترفين في اليابان حينها، وكان يدرك أن حلمه لن يتحقق إلا في بلاد السامبا، فعاش في سكن مشترك، وعانى الغربة واختلاف اللغة وصعوبة الحياة.
بدأ ميورا تكوينه الفني الصارم في أكاديمية «كليبي أتلتيكو يوفنتوس» بمدينة ساو باولو لتعلّم مهارات المراوغة البرازيلية، وبفضل انضباطه العالي، نجح عام 1986 في توقيع أول عقد احترافي له مع نادي سانتوس البرازيلي الشهير، معقل الأسطورة بيليه.
وبسبب صعوبة حجز مكان أساسي في تشكيلة سانتوس المدججة بالنجوم حينها، انتقل ضمن خطة إعارات مدروسة لكسب دقائق لعب حقيقية وتطوير الجانب البدني والقدرة على الالتحام، فتنقل بين أندية بالميراس و«ماتسوبارا» و«CRB»، حتى وصل إلى محطة التوهج الحقيقي مع نادي «كورتيبا» عام 1989 وتُوج معهم بدوري ولاية باراناينسي، ليعود بعد ذلك إلى سانتوس لاعبًا أساسيًا في صفوف الفريق.
قررت الإدارة الكروية في اليابان استعادة لاعبها لبناء مشروعها المتمثل في إطلاق دوري المحترفين عام 1993، وعاد ميورا ليتصدر المشهد الفني والتسويقي للبطولة، وقاد ناديه «فيردي كاواساكي» للقب الدوري متوجًا بجائزة أفضل لاعب في آسيا لعام 1993، ومنها انطلق ليدخل التاريخ كأول لاعب ياباني وآسيوي يحترف في الدوري الإيطالي مع نادي جنوى عام 1994، قبل أن يلعب لاحقًا لنادي دينامو زغرب الكرواتي ويتوج معه بالدوري.
وصلت الإثارة ذروتها في تصفيات كأس العالم 1998، حيث قاد ميورا خط الهجوم بفاعلية مسجلًا بمفرده 14 هدفًا في التصفيات، ليمنح اليابان أول تأهل مونديالي في تاريخها، ولكن في المعسكر التدريبي النهائي بسويسرا، فجّر المدرب الفني «تاكيشي أوكادا» مفاجأة صادمة باستبعاد ميورا نهائيًا من القائمة المونديالية.
أراد أوكادا حينها توجيه رسالة قوية بأن المجموعة أهم من الفرد، ولرغبته في نزع سلطة «النجم الأوحد» والتأثير الطاغي الذي كان يتمتع به ميورا داخل غرف الملابس لفرض انضباطه الصارم. غادر ميورا معسكر المنتخب فورًا وعاد إلى اليابان، وصُدم الشارع الرياضي لدرجة أن وسائل الإعلام قطعت برامجها لتغطية الخبر، وتجمع آلاف المشجعين في المطار يهتفون باسمه.
سافر المنتخب إلى فرنسا دون هدافه، فكانت النتيجة كارثية بالخروج بثلاث هزائم مدوية ومغادرة البطولة من الدور الأول، وبعد أعوام، اعترف ميورا أنه لم يستوعب القرار آنذاك، حتى إنه عاد إلى فرنسا ليتابع المباريات مشجعًا يرتدي قميص اليابان في المدرجات، إلا أنه لم يعتزل أو يهاجم إدارة المنتخب، بل أكد أن هذا الاستبعاد منحه وقودًا معنويًا للاستمرار في الملاعب وإثبات قدرته المستمرة على العطاء.
تلك الصدمة التي كانت كفيلة بإنهاء مسيرة أي لاعب، تحولت لدى ميورا إلى تحدٍّ مفتوح مع الزمن، فبعد اعتزاله اللعب الدولي عام 2000، تفرغ تمامًا لمواجهة قوانين الطبيعة وعوامل السن عبر نظام حياة علمي صارم، فرض فيه على نفسه حمية دقيقة أبقت نسبة دهون جسده عند تسعة في المئة فقط.
لم يكن نجاح كازويوشي ميورا في الاستمرار بالملاعب الاحترافية حتى سن الـ59 مجرد حظ، بل نتاج ركائز أساسية جعلته يتحدى البيولوجيا الرياضية، وتتضمن حظرًا تامًا لتناول الأطعمة المقلية، والسكريات المصنعة، والدهون المشبعة، مع الاعتماد على البروتينات الخالية من الدهون، كما أنه لا يشرب إلا نوعًا معينًا من المياه المستوردة الغنية بالمعادن لتسريع استشفاء العضلات، ويجري فحصًا لدمه بانتظام لمعرفة نقص الفيتامينات وتعويضه فورًا.
يقضي ميورا في التجهيز للمباريات والتدريب وقتًا أطول من أي لاعب شاب في الفريق، إذ يستيقظ يوميًا في الخامسة صباحًا دون استثناء، ويسافر معه طاقم شخصي يتكون من مدرب بدني، واختصاصي علاج طبيعي، وطاهٍ خاص، يدفع رواتبهم من ماله لضمان أعلى جودة رعاية.
وقبل أي تدريب، يقيس طاقمه نسبة الأكسجين في الدم، ومرونة العضلات، وضغط الدم، وبناءً عليها يتحدد حجم الجهد البدني لتجنب الإصابات.
ومع تقدم العمر، تصبح المشكلة الأكبر هي قدرة الجسد على التعافي بعد المجهود، لذا يستخدم أحدث تقنيات الطب الرياضي مثل غرف الأكسجين المضغوط والعلاج بالتبريد.
هذا الانضباط مكّنه من اللعب مع يوكوهاما لأكثر من 15 عامًا، ثم خوض تجربة احترافية في البرتغال مع نادي أوليفيرنسي عام 2023، وصولًا إلى محطته الحالية مع فوكوشيما يونايتد.
وعندما سُئل عن سر استمراره وعدم اعتزاله حتى الآن، أجاب ببساطة: «أنا لا أعرف ماذا سأفعل في حياتي إن لم أستيقظ صباحًا لأتدرب وألعب كرة القدم، فشغفي بها هو ما يبقيني حيًا».
وعلى الرغم من ذلك، يدرك ميورا أنه في هذا السن لن يخوض مباريات كاملة، فهو يتقبل دور البديل الذي يشارك في الدقائق الأخيرة، مستغلًا خبرته في توجيه اللاعبين الشباب.
والآن، بينما يتابع العالم بشغف صراعات المونديال الحالي، يلتزم ميورا بتدريباته الصباحية الصارمة في اليابان بروح شابة، واضعًا حدًا فاصلًا بين خذلان الماضي واستمرارية الحاضر، ومثبتًا للجميع أن بطولة كأس العالم قد تمر ويتغير أبطالها، أما الملهمون في الخيال والواقع فلا يمرون ولا يعتزلون أبدًا.


Google News تابع آخر أخبار الرياضية على Google News