د. إبراهيم بكري
‏«VAR».. العدالة التي لا تُرضي الجميع!
2026-07-10
في كل نسخة من كأس العالم يظهر نجم جديد، ويتألق منتخب غير متوقع، لكن البطولة الحالية كشفت عن بطل آخر لا يرتدي قميصًا ولا يسجل أهدافًا، بل يقف خلف الشاشات. إنه حكم الفيديو المساعد «VAR»، التقنية التي جاءت لتقود كرة القدم نحو العدالة، فإذا بها تتحول إلى أكثر ملفات البطولة إثارة للجدل.

المفارقة أن التقنية التي وُجدت لإنهاء الاعتراضات أصبحت سببًا في زيادة النقاش بعد كل مباراة. جماهير تحتفل لأنها أنصفت فريقها، وأخرى تغادر وهي مقتنعة بأن القرار لم يكن عادلًا، رغم أن الجميع شاهد اللقطة نفسها. وهذا يدفعنا إلى سؤال مهم: هل المشكلة في التقنية، أم في طريقة استخدامها؟.

قصة «VAR» لم تبدأ في كأس العالم الحالية ،بل جاءت بعد سنوات طويلة من الأخطاء التحكيمية التي غيّرت نتائج مباريات وبطولات، وأشهرها أهداف صحيحة لم تُحتسب، وأخرى غير شرعية احتسبت وسط دهشة الملايين. لذلك بدأ الاتحاد الدولي لكرة القدم تجارب التقنية في عدد من البطولات، قبل أن يعتمدها رسميًا لأول مرة في كأس العالم 2018 بروسيا، بهدف واضح وصريح، وهو تصحيح الأخطاء المؤثرة وحماية عدالة المنافسة.

لكن كثيرين يعتقدون أن التقنية هي صاحبة القرار، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا. فـ«VAR» لا يطلق صافرة، ولا يحتسب هدفًا، ولا يمنح ركلة جزاء، وإنما يقدم للحكم صورًا وزوايا إضافية تساعده على مراجعة الحالات المؤثرة. أما القرار النهائي، فيظل بيد الحكم، وهنا يكمن سر الجدل.

فليست جميع الحالات قابلة للحسم بالأبيض والأسود. التسلل مثلًا تحسمه خطوط إلكترونية، وتجاوز الكرة لخط المرمى تحسمه أجهزة دقيقة، أما الالتحامات البدنية، ولمس الكرة باليد، وتقدير شدة المخالفة، فهي تبقى خاضعة لاجتهاد الحكم وخبرته وشخصيته. ولهذا قد يشاهد حكمان اللقطة نفسها، ويصل كل منهما إلى قرار مختلف، دون أن يكون أحدهما مخالفًا لقانون اللعبة.

ومن يتابع مباريات كأس العالم الحالية يلاحظ أن الاعتراضات لا تتعلق بوجود التقنية، بل بعدم ثبات معايير استخدامها. فالجماهير تريد أن ترى قرارات متشابهة في الحالات المتشابهة، بينما الواقع يؤكد أن اختلاف التقدير سيبقى حاضرًا ما دام الإنسان هو من يتخذ القرار النهائي.

ومن وجهة نظري، فإن أكبر مكاسب كرة القدم الحديثة ليست في القضاء على الجدل، فهذا مستحيل، بل في تقليص مساحة الظلم. قبل سنوات كانت صافرة واحدة قد تحرم منتخبًا من حلم استمر أربع سنوات، أما اليوم فأصبح الحكم يمتلك فرصة ثانية لمراجعة قراره، وهذا في حد ذاته تطور يحسب للعبة.

لا يبقى إلا أن أقول:
ستبقى تقنية «VAR» محل نقاش، وستستمر الجماهير في الاختلاف حولها، لأن كرة القدم ليست معادلة رياضية، بل لعبة مليئة بالمشاعر والانفعالات. لكن ما يجب أن نتفق عليه هو أن العدالة الكاملة قد تكون حلمًا يصعب الوصول إليه، بينما تقليل الأخطاء هدف يمكن تحقيقه. وبين الحلم والواقع، تبقى تقنية «VAR» خطوة مهمة في تطوير اللعبة، حتى وإن كانت لا تستطيع إرضاء الجميع.
هنا يتوقف نبض قلمي وألقاك بصحيفتنا «الرياضية» وأنت كما أنت جميل بروحك وشكرًا لك.