خالد الربيعان
حين ينجح الاستثمار.. ويفشل منتج منه
2026-07-12
في الاقتصاد، لا أحد يحتفل بحجم الإنفاق، بل بحجم العائد.
هذه قاعدة لا تتغير، سواء كنت تستثمر في شركة تقنية، أو مصنع سيارات، أو دوري كرة قدم.
الدوري السعودي اليوم أصبح قصة نجاح تجارية لا يمكن إنكارها. نجح في استقطاب نجوم العالم، ورفع قيمته السوقية، وأصبح من أكثر الدوريات حضورًا في كأس العالم، بعد أن مثّله خمسون لاعبًا مع تسعة عشر منتخبًا مختلفًا، وهو رقم يعكس المكانة العالمية التي وصل إليها المشروع.
بعد هذه الأرقام، ولا ننتهي عندها.
هل انعكس هذا الاستثمار الضخم على المنتج الوطني؟
الإجابة التي قدمها الملعب كانت مؤلمة.
منتخب سعودي يعتمد بشكل شبه كامل على لاعبي الدوري المحلي، لكنه يغادر البطولة دون تحقيق انتصار واحد.
وهنا تظهر الفجوة بين نجاح السوق ونجاح الصناعة.
لقد نجحنا في صناعة دوري جذاب للمستثمرين، وللرعاة، وللنجوم العالميين، لكننا بالقدر نفسه في صناعة ضخمنا ماليًا اللاعب السعودي الذي لا يصنع الفارق عندما يرتدي شعار المنتخب.
وهذه ليست مشكلة مدرب، ولا خطة لعب، ولا مباراة سيئة.
إنها قضية نموذج اقتصادي.
فعندما تُضخ مليارات الريالات في منظومة رياضية، فمن الطبيعي أن نسأل عن مؤشرات الأداء الرئيسة «KPIs».
هل ارتفعت القيمة التجارية للدوري؟ نعم.
هل زادت حقوق النقل والرعاية؟ نعم.
هل ارتفعت شهرة الأندية عالميًا؟ نعم.
لكن هل ارتفع مستوى اللاعب السعودي بما يتناسب مع حجم هذا الاستثمار؟
الأرقام حتى الآن لا تقول ذلك.
الاحتكاك اليومي بالنجوم العالميين لا يصنع لاعبًا عالميًا تلقائيًا، تمامًا كما أن وجود أفضل الموظفين في شركة واحدة لا يعني أن بقية الموظفين سيصبحون قادة بمجرد العمل معهم.
صناعة الكفاءات تحتاج إلى منظومة مختلفة.
تحتاج إلى دقائق لعب حقيقية، واحتراف خارجي، ومنافسة على أعلى المستويات، وثقافة انتصار، وبرامج تطوير فردية، لا مجرد التعايش مع النجوم.
وهنا أصل إلى قناعة أكررها كثيرًا:
إذا أردنا منتخبًا ينافس عالميًا، فعلينا أن نتوقف عن قياس نجاح المشروع بعدد النجوم الذين استقطبناهم، ونبدأ بقياسه بعدد اللاعبين السعوديين الذين يستطيعون النجاح خارج حدود الدوري السعودي.
فاللاعب الذي يفرض نفسه في أوروبا، أو في أي دوري تنافسي، هو أكبر دليل على نجاح منظومة التطوير.
أما إذا بقي اللاعب السعودي محصورًا داخل سوق محلي ضخم، ورواتب مرتفعة، ومنافسة لا تدفعه للخروج، فإننا نكون قد بنينا اقتصادًا قويًا للدوري دون أن نبني اقتصادًا حقيقيًا للمواهب.
في النهاية الاستثمار الرياضي في مشروعنا الجميل من غاياته أن يصبح الدوري أكثر ثراءً واستثمارًا، وأن تصبح كرة القدم السعودية أكثر قدرة على التخطيط لتحفيز اللاعبين السعوديين للخروج والإبداع خارج المنظومة إذا كان مؤمنًا بقدراته.
وعندما يصبح الدوري مشروعًا تجاريًا ناجحًا، بينما يبقى المنتخب عاجزًا عن ترجمة ذلك إلى نتائج، هل المشكلة هي تضخم المال بما لا يتناسب والقدرات أم هي شيء آخر؟