د. إبراهيم بكري
كرة القدم... من مهارة الفرد إلى عبقرية الجماعة
2026-07-15
عندما نشاهد مباريات كأس العالم اليوم، قد يصعب على الأجيال الجديدة تخيل شكل كرة القدم قبل خمسين عامًا. فالمباراة التي تعتمد اليوم على السرعة، والضغط، والانتقال الخاطف، والعمل الجماعي، كانت في الماضي تقوم بدرجة كبيرة على موهبة اللاعب الفردية. كان النجم قادرًا على الاحتفاظ بالكرة لثوانٍ طويلة، ومراوغة أكثر من لاعب، بينما يقف زملاؤه في انتظار لحظة الإبداع. أما اليوم، فقد تغيرت اللعبة حتى أصبحت الكرة هي الأسرع، وليس اللاعب.

في العقود الماضية كانت الخطط التكتيكية بسيطة نسبيًا، وكانت الفوارق الفردية تصنع البطولات. لذلك برزت أسماء خالدة مثل بيليه، وكرويف، ومارادونا، الذين امتلكوا القدرة على تغيير مجرى المباراة بمهارة فردية استثنائية. لكن مع تطور الفكر التدريبي، لم تعد الموهبة وحدها كافية، بل أصبحت جزءًا من منظومة متكاملة تعتمد على الانضباط التكتيكي والعمل الجماعي.

شهدت كرة القدم منذ سبعينيات القرن الماضي ثورة حقيقية في المفاهيم التدريبية، بدءًا من الكرة الشاملة الهولندية، مرورًا بالضغط الجماعي، ووصولًا إلى الاستحواذ المنظم والضغط العكسي والانتقال السريع بين الدفاع والهجوم. لم يعد المدرب يبحث عن أفضل أحد عشر لاعبًا، بل عن أفضل أحد عشر عنصرًا قادرين على العمل كوحدة واحدة طوال المباراة.

وأصبحت اللياقة البدنية أحد أهم مفاتيح النجاح. ففي الماضي كان اللاعب يقطع مسافات أقل، وكانت وتيرة اللعب أبطأ، أما اليوم فإن اللاعب في المستويات العالمية قد يقطع أكثر من عشرة كيلومترات خلال المباراة، مع عشرات الانطلاقات السريعة والتغييرات المستمرة في الاتجاه والسرعة. هذا التطور لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة لتقدم علوم التدريب الرياضي، وعلوم وظائف الأعضاء، والتغذية، والاستشفاء، وتحليل الأداء باستخدام التقنيات الحديثة.

كما تغيرت فلسفة الإعداد بالكامل. لم يعد التدريب يقتصر على الجري والتمرير والتسديد، بل أصبح يعتمد على البيانات وتحليل الأحمال البدنية، وأجهزة تتبع الحركة، وقياس معدل النبض، ومراقبة الإرهاق العضلي، بل وحتى استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل أداء اللاعبين والمنافسين. وأصبح القرار الفني يُبنى على الأرقام بقدر ما يُبنى على الخبرة.

ورغم هذا التطور الكبير، فإن المهارة الفردية لم تفقد قيمتها، لكنها أصبحت تخدم الفريق بدلًا من أن تكون هدفًا بحد ذاتها. اللاعب الموهوب مطالب اليوم بأن يلتزم بالخطة، وأن يدافع كما يهاجم، وأن يضغط كما يصنع، وأن يضع مصلحة الفريق فوق بريقه الشخصي. لذلك أصبحت النجومية الحديثة تُقاس بقدرة اللاعب على خدمة المنظومة، لا بعدد المراوغات التي يقوم بها.
لا يبقى إلا أن أقول:
كرة القدم انتقلت من لعبة تعتمد على إبداع الفرد إلى رياضة تنتصر فيها الجماعة، ومن مباراة يحسمها لاعب واحد إلى منظومة متكاملة يقودها العلم والتخطيط والانضباط. ولهذا فإن مستقبل كرة القدم لن يكون للأكثر موهبة فقط، بل للأكثر قدرة على الجمع بين المهارة، والذكاء، واللياقة، والالتزام، لأن اللعبة الحديثة لم تعد تعترف إلا بالفريق الذي يعمل كعقل واحد داخل الملعب.
هنا يتوقف نبض قلمي وألقاك بصحيفتنا «الرياضية» وأنت كما أنت جميل بروحك، وشكرًا لك.