خالد الشايع
رسالة لـ «فيفا»: لا تفسدوا كرة القدم
2026-07-15
يرسم الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» ملامح مستقبلية مثيرة للجدل للبطولة الأهم في العالم، من خلال خطط تهدف إلى رفع عدد المنتخبات المشاركة في نهائيات كأس العالم إلى 66 منتخبًا.. هذه الرغبة المحمومة في التوسع لا تنطلق من دوافع تطوير اللعبة، بل تحركها أهداف مالية بحتة لزيادة العوائد الاستثمارية ومضاعفة ثروات الاتحاد المرتفعة أصلًا، حتى وإن جاء ذلك على حساب القيمة الفنية والمكانة التاريخية للمونديال.

ولم يتوقف الأمر عند تشويه هيكلية البطولة، بل امتد ليفسد نسق المباريات وهويتها من الداخل عبر ابتداع «فترات الترطيب» التي تمتد لأكثر من ثلاث دقائق، الهدف الحقيقي وراء هذه التوقفات هو فتح نوافذ إعلانية جديدة لجني المزيد من الأرباح، حتى لو أدى ذلك عمليًّا إلى تقسيم المباراة إلى أربعة أشواط بدلًا من شوطين.. هذا التغيير الجذري يضرب في عمق المفهوم الثقافي والتاريخي الذي تأسست عليه كرة القدم، فهو لا يضيف للعبة شيئًا بل يسلبها الكثير، إنَّ تحويل اللقاء إلى أربعة أرباع يعكس غياب الرؤية العميقة حول التأثير السلبي الذي يمس جوهر الساحرة المستديرة، ويقضي على الشغف والضغط المتواصل والتدفق الطبيعي للعب، لتفقد اللعبة أهم خصائصها التي جعلت الجماهير تعشقها.

إنَّ كرة القدم ليست دوري كرة السلة الأمريكي «NBA»، ولا دوري كرة القدم الأمريكية «NFL»، وليست من تلك الرياضات القائمة بنيتها على الأوقات المستقطعة والاستراحات المتكررة.. وإذا ما أصرَّ «فيفا» على استمرار هذه التوقف، مع رفع العدد إلى 66 منتخبًا، فإننا سنكون أمام معضلة حقيقية تتجلى في خلق مباريات لا تستحق المشاهدة، ومشاركة فرق لا تملك المؤهلات الفنية للوجود في هذا المحفل العالمي، ما يحوّل المونديال إلى بطولة ضعيفة تفقد بريقها.. ورغم أنَّ زيادة المقاعد قد تنصف أربعة أو خمسة منتخبات كبرى غابت قسرًا وكانت تستحق الوجود مثل إيطاليا، نيجيريا، الكاميرون، وبولندا، إلا أننا نتحدث هنا عن توسيع أكبر يفتح الباب لمنتخبات من التصنيفين الخامس والسادس، وهو ما قد يؤدي إلى تسجيل نتائج كارثية وخسائر ثقيلة تهز هيبة البطولة ومصداقيتها الفنية.

ولعل الشواهد القريبة تؤكد ذلك، إذ باتت البطولة الحالية تفتقر للإثارة والقيمة الفنية في أدوارها الأولى، ولم تبدأ ملامح المتعة الحقيقية في الظهور إلا مع انطلاق الدور ثمن النهائي، باستثناء مباريات نادرة ومحدودة.

توجّه الجماهير الحقيقية رسالة واضحة إلى مسؤولي الاتحاد الدولي: توقفوا عن العبث بالرياضة الأكثر شعبية في التاريخ.. إنَّ كرة القدم منظومة متكاملة تشكّل التفاصيل النفسية واللحظات المتلاحقة جزءًا أصيلًا منها، والتنافس القوي هو جوهرها النابض.. اتركوا ألعاب «البلايستيشن» لمن يفضلون العزلة في الغرف الضيقة، واتركوا كرة القدم الحقيقية لأهلها وعشاقها الذين أحبوها بنقائها وعفويتها، فلا تفسدوا ما بقي من شغفها، فالنسخة القادمة ستكون بلا ميسي، يكفي التفكير في هذا لتكون محبطًا، دون تخبطات «فيفا».