خالد الربيعان
الحكام.. الأصل الخفي
2026-07-20
حين نتحدَّث عن الاستثمار الرياضي في كرة القدم، تتَّجه الأنظار تلقائيًّا إلى اللاعبين، والأندية، وحقوق البث، وصفقات الرعاية الضخمة، لكنَّ الصناعة الحديثة أصبحت أكثر ذكاءً، فهي لم تعد تبحث عن النجوم فقط، بل وأيضًا عن كل ثانيةٍ تظهر فيها الكاميرا، وكل مساحةٍ تستطيع أن تتحوَّل إلى أصلٍ تجاري يدرُّ عائدًا.

الحكم هو أحد أكثر هذه الأصول هدوءًا، وأكثر حفاظًا على القيمة.

لنبدأ من أبسط التفاصيل: زي الحكم. لم يعد مجرَّد لباسٍ موحَّدٍ، يُميِّزه عن اللاعبين، بل بات منصَّةً تسويقيةً قائمةً بحدِّ ذاتها. أديداس، الشريك التاريخي لـ «فيفا»، لم تكتفِ بتصميم أطقم حكام كأس العالم 2026، بل وطوَّرت أيضًا مجموعةً، بالتعاون مع حكام «فيفا»، لتلائم طبيعة عملهم ومتطلباتهم البدنية المختلفة عن اللاعبين. والأهم من ذلك، أن القميص نفسه أصبح قابلًا للتحوُّل إلى منتجٍ تسويقي، ففي المباراة رقم 1000 في تاريخ كأس العالم، التي جمعت بين منتخبَي تونس واليابان، ارتدى الحكم استيفان كوفاتش قميصًا خاصًّا بخطوطٍ ذهبيةٍ، ورقعةٍ تذكاريةٍ، ليصبح الزي جزءًا من قصة البطولة، وليس مجرد قطعة ملابس.

ثم يأتي الاستثمار في التقنية. فوق رأس الحكم توجد كاميرا رؤية الحكم التي منحت الجماهير زاويةَ رؤيةٍ جديدةً للأحداث من منظور الحكم نفسه، لكنْ القيمة الاقتصادية الحقيقية لم تكن في الكاميرا، بل فيما بُني حولها، فقد طوَّرت Lenovo، الشريك التقني لـ «فيفا»، خوارزميةً تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتثبيت الصورة، وتقليل الاهتزاز الناتج عن حركة الحكم، ونجحت في خفض الاهتزاز في بعض اللقطات السريعة بنسبةٍ وصلت إلى 50%. هنا تتحوَّل تجربة المشاهدة إلى منصَّةٍ لعرض قدراتٍ تقنيةٍ، ويصبح الحدث الرياضي وسيلةً لتسويق الابتكار.

أمَّا أكثر الأفكار ذكاءً، فكانت من Rexona.

بدلًا من الاكتفاء بلوحةٍ إعلانيةٍ على أطراف الملعب، اختارت العلامة التجارية أن تظهر في المكان الأكثر انسجامًا مع رسالتها التسويقية: أسفل أكمام الحكم الرابع، وعلى لوحة التبديلات والوقت بدل الضائع. في كل مرَّةٍ يرفع فيها الحكم اللوحة، ترتفع ذراعاه، فتظهر العلامة التجارية في اللحظة ذاتها. الرسالة هنا لا تحتاج إلى تعليقٍ، أو إعلانٍ تلفزيوني، فمنتج يرتبط بالتعرُّق، والحركة يظهر على شخصٍ يعيش الضغط البدني طوال المباراة. إنها لحظة تسويقٍ تحدث طبيعيًّا أمام ملايين المشاهدين.

هذه الأمثلة تكشف حقيقةً مهمةً في الاستثمار الرياضي: القيمة لم تعد مرتبطةً فقط بمَن يسجل الأهداف، بل وأيضًا بمَن يملك الظهور في اللحظات التي تتوقَّف عندها أعين العالم.

اللاعب يصنع الهدف، لكنْ الحكم حاضرٌ في إعلانه، وفي احتساب ركلة الجزاء، وفي إشهار البطاقة، وفي التبديل، وفي القرارات التي تُغيِّر مسار المباريات، لذا أصبحت الشركات تدرك أن الظهور في تلك الثواني قد يكون أكثر تأثيرًا من الوجود على لوحةٍ إعلانيةٍ ثابتةٍ طوال الـ 90 دقيقة.

الاستثمار الرياضي في كرة القدم لم يعد يترك أي مساحةٍ دون استثمارٍ، فكل عنصرٍ داخل الملعب يمكن أن يتحوَّل إلى أصلٍ تجاري إذا أُحسن توظيفه.

وفي صناعةٍ تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات حتى الصافرة، والحذاء، والكم، والكاميرا المثبتة على رأس الحكم، ليست مجرَّد أدواتٍ لإدارة المباراة، بل باتت أصولًا اقتصاديةً تخلق قيمةً، وتجذب الرعاة، وتؤكد أن الابتكار الحقيقي يبدأ حين ترى في التفاصيل الصغيرة فرصًا لا يلاحظها الآخرون.