خالد الربيعان
رئاسة اتحاد كرة القدم.. ليست لكل من أحب اللعبة
2026-07-26
في كل مرة يُفتح فيها باب الترشح لرئاسة اتحاد كرة القدم، يتكرر المشهد نفسه، أسماء تُطرح لأنها محبوبة، أو لأنها لعبت كرة القدم، أو لأنها قريبة من الوسط الرياضي، وكأن حب اللعبة أصبح مؤهلًا كافيًا لقيادتها. لكن الحقيقة التي أثبتتها التجارب العالمية مختلفة تمامًا، فحب كرة القدم لا يؤهلك لإدارة كرة القدم، تمامًا كما أن حب الطيران لا يؤهل صاحبه لقيادة طائرة.

فالكرة الحديثة لم تعد مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت صناعة عالمية تُدار بعقلية الاقتصاد والاستثمار والحوكمة. ورئيس الاتحاد اليوم لم يعد مسؤولًا عن اختيار مدرب أو تنظيم بطولة فحسب، بل يقود مؤسسة وطنية تدير حقوق البث، والرعايات، والمسابقات، والمنتخبات، والحكام، والأكاديميات، والعلاقات الدولية، وتؤثر بصورة مباشرة في صورة الدولة الرياضية واستدامة نمو اللعبة.

ولذلك، فإن نجاح رئيس الاتحاد لا يبدأ من منصة التتويج، بل يبدأ من قدرته على بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو. وهذا ما تؤكده لغة الأرقام، فالفيفا تستهدف إيرادات تقارب 13 مليار دولار خلال دورة 2023ـ2026، بينما تجاوزت إيرادات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم 5 مليارات يورو في موسم 2024ـ25، ووصل حجم سوق كرة القدم الأوروبية إلى نحو 38 مليار يورو. هذه الأرقام تعكس حقيقة واحدة، وهي أن كرة القدم أصبحت اقتصادًا متكاملًا، وليست مجرد لعبة.

وعندما ننظر إلى الاتحادات الوطنية الكبرى، نجد الصورة أكثر وضوحًا. فالاتحاد الإنجليزي يحقق إيرادات سنوية تتراوح بين 500 و600 مليون جنيه إسترليني، والاتحاد الألماني بين 500 و550 مليون يورو، والإسباني نحو 400 مليون يورو، والفرنسي بين 280 و320 مليون يورو، والإيطالي بين 180 و220 مليون يورو. وهذه الإيرادات ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لتمويل تطوير الحكام، وتأهيل المدربين، والاستثمار في الأكاديميات، وتحسين المسابقات، وتوسيع قاعدة الممارسين، وبناء منتخبات أكثر تنافسية.

ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل يمكن إدارة اتحاد كرة قدم بعقلية المجاملة؟ وهل يكفي أن يكون الرئيس لاعبًا سابقًا، أو محبوبًا جماهيريًا، أو عاشقًا لكرة القدم؟ الإجابة بكل وضوح: لا. لأن الرئيس الحقيقي لا يفكر في كيفية الفوز بالمباراة القادمة، بل في كيفية بناء منظومة تجعل الفوز نتيجة طبيعية لسنوات طويلة.

فالفرق بين الإدارة التقليدية والإدارة الحديثة كبير. فالأولى تغيّر المدرب عند أول إخفاق، بينما الثانية تبني نظامًا لا يتأثر برحيل أي مدرب. والأولى تنتظر ظهور لاعب موهوب، بينما الثانية تبني منظومة تجعل إنتاج المواهب عملية مستمرة. فالاستثمار الحقيقي في كرة القدم لا يبدأ بالتعاقد مع النجوم، بل يبدأ ببناء بيئة تُنتج النجوم.

ولهذا، فإن رئيس الاتحاد يحتاج إلى ما هو أبعد من المعرفة الفنية باللعبة، فهو بحاجة إلى فهم صناعة الرياضة والتي تتطلب فهم الإدارة، والاقتصاد، والتسويق، وحقوق البث، والرعاية التجارية، والحوكمة، وإدارة المخاطر. لأن من لا يعرف كيف يصنع الإيرادات، لن يستطيع تمويل تطوير الحكام، أو تأهيل المدربين، أو دعم الأكاديميات، أو رفع جودة المسابقات، أو الاستثمار في المنتخبات السنية.

ولعل التجربة الإنجليزية تقدم مثالًا واضحًا على ذلك، فإلى جانب تحقيقها مئات الملايين من الإيرادات، وضعت أهدافًا محددة لإضافة 220 ألف لاعب و15 ألف فريق بحلول عام 2028. إنها أهداف قابلة للقياس، لأن الإدارة الحديثة تؤمن بأن ما لا يُقاس لا يُدار، وما لا يُدار لا يتطور.

ولهذا، لا ينبغي أن يُقاس نجاح رئيس الاتحاد بعدد البطولات فقط، لأن البطولة قد يصنعها جيل استثنائي، أو ظروف استثنائية، أما النجاح الحقيقي فيُقاس بالأثر المستدام. كم ارتفعت الإيرادات؟ كم زادت قيمة الحقوق التجارية؟ كم لاعبًا جديدًا دخل المنظومة؟ كم موهبة احترفت؟ كم مدربًا وحكمًا تم تأهيله؟ كم تحسن مستوى الدوري؟ وكم ارتفع الحضور الجماهيري؟ هذه هي المؤشرات التي تكشف جودة الإدارة.

فالمنتخب الوطني ليس بداية القصة، بل نهايتها. فإذا ضعف الدوري، ضعفت الأندية، وإذا ضعفت الأندية، تراجعت الأكاديميات، وإذا تراجعت الأكاديميات، انخفض إنتاج المواهب، وعندها يصبح تراجع المنتخب نتيجة طبيعية، لا مفاجأة.

ومن هنا، فإن الهزيمة لا تبدأ في تسعين دقيقة، بل تبدأ قبلها بسنوات، عندما تغيب الحوكمة، وتضعف اللوائح، وتتراجع جودة المسابقات، ولا يجد الحكم الحماية، ولا يجد المدرب التأهيل، ولا تجد الموهبة مسارًا واضحًا للتطور.

لهذا، فإن الحوكمة ليست مصطلحًا إداريًا يُستخدم في العروض التقديمية، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة. وإذا فقد الاتحاد ثقة الأندية، والجماهير، والرعاة، والحكام، واللاعبين، فقد خسر أهم أصوله، مهما حقق من نتائج مؤقتة.

وفي النهاية، فإن رئيس الاتحاد الحقيقي لا يختار أصدقاءه، بل يختار الأكفأ، ولا يدير المؤسسة بالمجاملات، بل بالأنظمة، ولا يتهرب من المحاسبة، بل يؤسس لها، ولا يسعى إلى إرضاء الجميع، لأن الإصلاح الحقيقي غالبًا ما يزعج من اعتادوا الفوضى واستفادوا منها.

فرئاسة اتحاد كرة القدم ليست منصبًا لمن أحب اللعبة فقط، بل لمن يفهم أنها أصبحت صناعة وطنية واقتصادية، تُدار بالرؤية، والحوكمة، والأرقام، والكفاءات. ومن لا يستطيع إدارة هذه الصناعة، لا ينبغي أن يقود اللعبة.