خالد الربيعان
«جايين بإذن الله»
2026-08-02
عندما يُذكر كأس العالم 2034، يتجه التفكير مباشرة إلى الملاعب الحديثة، والمدن المستضيفة، والبنية التحتية، والجماهير التي ستملأ المدرجات. لكن قراءة المشهد بهذه الطريقة تُغفل جانبًا أكثر أهمية وتأثيرًا، وهو أن السعودية لم تنتظر عام 2034 لتدخل منظومة كأس العالم، بل بدأت حضورها الاقتصادي قبل ذلك بسنوات، من داخل المنظومة التجارية للاتحاد الدولي لكرة القدم.

ففي عالم كرة القدم الحديث، لم تعد البطولة تُقاس بعدد المباريات فقط، بل بحجم الحقوق التجارية، والرعايات، والاستثمارات، والقيمة الاقتصادية التي تدور حولها. وتشير تقديرات الصناعة الرياضية إلى أن كأس العالم 2026 كان الأكبر في التاريخ بمشاركة 48 منتخبًا و104 مباريات، مع مؤشرات بتجاوز عدد الحضور الجماهيري 6.5 مليون مشجع، ووصول البث التلفزيوني والرقمي إلى أكثر من 5 مليارات مشاهد حول العالم، فيما يُتوقع أن تحقق فيفا إيرادات تتجاوز 13 مليار دولار خلال الدورة التجارية الممتدة بين 2023 و2026، وهي الأعلى في تاريخها.

ضمن هذا المشهد، اتخذت السعودية خطوة استراتيجية عندما أصبح صندوق الاستثمارات العامة «PIF» شريكًا رسميًا لكأس العالم 2026، في اتفاقية لا تمثل مجرد رعاية تسويقية، بل تمنح السعودية حضورًا داخل أكبر منتج رياضي وتجاري في العالم قبل استضافتها البطولة بثماني سنوات.

ولم يكن ذلك التحرك منفردًا، إذ سبقه إعلان أرامكو شريكًا عالميًا رئيسًا لفيفا حتى عام 2027، بعقد قدّرت تقارير دولية قيمته بنحو 100 مليون دولار سنويًا، أي ما يقارب 400 مليون دولار طوال مدة الاتفاقية. وهنا تتحول كرة القدم من منافسة رياضية إلى منصة اقتصادية عالمية، تتنافس فيها الدول والشركات على بناء النفوذ والهوية والعلامة التجارية.

وهذا يعكس تحولًا مهمًا في الاستراتيجية السعودية، فالحضور في كأس العالم لم يعد يقتصر على مشاركة المنتخب الوطني، بل أصبح يمتد إلى الاستثمار، والطاقة، والرعاية، والتسويق، وصناعة الصورة الذهنية للسعودية أمام مليارات المتابعين.

الأمر لا يتعلق فقط بعائد الرعاية المباشر، بل بما تحققه هذه الشراكات من قيمة طويلة الأجل. فكل ظهور للهوية السعودية على منصات فيفا يرفع من قوة العلامة الوطنية، ويعزز جاذبية السعودية للاستثمار والسياحة، ويدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع الاقتصاد. وتشير دراسات التسويق الرياضي إلى أن الشركات الراعية لأكبر البطولات العالمية تحقق عادة ارتفاعًا في الوعي بعلاماتها التجارية يتراوح بين 20 و40 في المئة بالأسواق المستهدفة، بينما ترتفع القيمة الإعلامية للرعاية إلى أضعاف قيمتها التعاقدية نتيجة الانتشار العالمي.

كما أن الاقتصاد الرياضي العالمي تجاوز اليوم 600 مليار دولار، فيما تمثّل كرة القدم وحدها ما يزيد على 40 إلى 50 مليار دولار سنويًا من حقوق البث والرعاية والتذاكر والتسويق والمنتجات التجارية، ما يفسر سباق الحكومات وصناديق الاستثمار للدخول في هذه الصناعة، بوصفها أحد أسرع القطاعات نموًا وتأثيرًا.

ولهذا فإن الدول لا تستضيف كأس العالم فجأة، بل تبني مكانتها داخله قبل سنوات. تدخل في شراكات مع فيفا، وتستثمر في البطولات، وتشارك في صناعة المنتج التجاري، حتى تصبح جزءًا من منظومة الحدث قبل أن تصبح الدولة المستضيفة له.

ومن هذا المنطلق، فإن كأس العالم 2026 ليس محطة منفصلة عن كأس العالم 2034 بالنسبة للسعودية، بل يمثل إحدى أهم مراحل الإعداد الاقتصادي والاستثماري للبطولة المقبلة. فقبل أن يصل العالم إلى السعودية، كانت السعودية قد وصلت بالفعل إلى العالم، ليس فقط عبر منتخبها الوطني، بل عبر الاستثمار، والرعاية، والشراكات، وصناعة القيمة.

وفي النهاية، قد تتنافس المنتخبات داخل المستطيل الأخضر، لكن خارج الملعب تتنافس الدول على بناء النفوذ الاقتصادي، وتعظيم العوائد، وترسيخ حضورها في صناعة أصبحت من أكبر الصناعات في العالم. والسعودية، على ما يبدو، اختارت أن تبدأ هذه المنافسة مبكرًا، ولذلك دخلت كأس العالم اقتصاديًا، قبل أن تستضيفه.