خالد الشايع
النصر في نفق الديون: هل تعلم الدرس؟
2026-08-12
انتهت الزوبعة، وسجل النصر لاعبه البرتغالي «كوستا» لينضم رسميًا إلى قائمة الأندية المتنافسة في «الميركاتو» الصيفي.
بخبرٍ عابر بدأت القضية، وبخبرٍ مماثل طُويت صَفحتُها، وكأننا أمام رواية غامضة تُحاك خيوطها في الخفاء! انقشع الغبار أخيرًا، ولكن الرؤية ما تزال منعدمة.
لكن، خلف هذا الستار الثقيل من السرية، تكمن تساؤلات جوهرية تغيب عنها الصراحة: كيف رزح النصر تحت وطأة ديون ضخمة تجاوزت 800 مليون ريال؟ وكيف تبخرت هذه المعضلة في غضون أسابيع معدودة دون تفسير منطقي؟
إن التعتيم على طبيعة التسوية التي جرت بين النصر والمالك، والجهات الدائنة يمثل غيابًا تامًا للشفافية، إذ كان من المفترض أن تكون هذه التجربة درسًا مجانيًا تستفيد منه بقية أندية الدوري للتخلص من كابوس الديون الكارثية، لكنها، وللأسف الشديد، ظلت سرًا غامضًا لن تُعرف خفاياه قريبًا.
ولكن لابد أن تكون هناك دروس مستفادة، أهمها أن يستفيق النصراويون من الوهم الأكبر الذي يعيشونه، وفيه يعتقدون أن ديونهم ستُمحى في كل مرة بمعجزة أو بتدخل خارجي. يجب أن يدرك الجميع أن النادي سيدفع يومًا ثمن الفوضى المالية التي يتسبب بها القائمون عليه. لن تتدخل الأقدار دائمًا لإنقاذ النادي من مقصلة الاتحاد الدولي «فيفا» أو من قضايا اللاعبين. فلا يمكن لأي فريق أن يحقق مجدًا مستدامًا إذا سادت العشوائية تعاملاته المالية، فيسجل لاعبين، ويلغي عقودًا، ويقيل مدربين، ويتعاقد مع آخرين بمئات الملايين مبعثرة دون قيد أو حساب، ودون أن يكلف نفسه رفع إيراداته المالية.
والتاريخ لا يرحم الفوضويين، فأندية كبرى سقطت في هذا الفخ، ونادي الزمالك المصري يمثل تجسيدًا حيًا لهذه المأساة، أنفق بلا وعي وفشل في السداد، ليجد نفسه اليوم يواجه شبح الإفلاس والانهيار.
إن الرقابة المالية الصارمة التي يخضع لها النصر اليوم ـ ومعه أندية أخرى كالاتفاق ـ ليست أدوات للتكبيل أو التعجيز، بل هي ضرورة حتمية لإنقاذ هذه المؤسسات من الانتحار المالي، كل ريال يُصرف يجب أن يخضع لمنطق المحاسبة، وإلا تحولت الرياضة إلى فوضى عارمة تتجاوز سوءًا ما نعيشه الآن.
تأملوا المشهد النصراوي عن قرب: النادي ينفق اليوم أكثر من 20 مليون يورو على لاعبين يلعبون لأندية خارجية، مثل دوران وويسلي جزء كبير من رواتبهم دون أن يستفيد منه، نفس القصة حدثت مع أوتافيو وفوفانا.. ملايين تُهدر في صفقات ارتجالية، ولو وُجدت إدارة مالية حكيمة لَوفّرت هذه المبالغ الطائلة، بدلًا من إجبار النصر على دفع 6 ملايين يورو لنادي تشيلسي لمجرد تحقيق بطولة الدوري كجزء من بنود صفقة البرتغالي جواو فيلكس، ما فائدة الملايين التي تُضخ إذا كانت تُنفق لإصلاح أخطاء الماضي بدلًا من بناء المستقبل؟
نتمنى أن يكون صناع القرار في النصر قد استوعبوا الدرس، فالضغط الإعلامي والحلول المسكنة المباشرة لن تفلح في كل مرة. وإذا استمر هذا النهج، سيستيقظ النصر يومًا ليجد نفسه في نفق الزمالك المظلم، حيث لا ينفع الندم وحيث المستقبل يبدو حالكًا لِجماهيره، عليهم أن يتذكروا جيدًا: الديون ليست ثلجًا يذوب بطلوع الصباح، بل هي صخور تتراكم فوق الرؤوس حتى تحطمها.