مينساه.. حاربه سيميوني وعاد إلى الرياض
بين تمايل أشجار المانجو تحت شمس غرب إفريقيا الحارة، وُلد في أزقة أكرا الصاخبة طفل صغير في السابع عشر من أكتوبر 1994، وسط أسرة غانية متواضعة تتكون من ستة أفراد.
كان بيرنارد مينساه الابن الوحيد بين ثلاث أخوات، يملأ البيت بضحكاته وصراخه، بينما يعمل والده مهندسًا في صمتٍ دؤوب، وتدير والدته المنزل بحكمة ربة البيت التي تعرف كيف توازن بين الضحكات والواجبات.
الأب يحلم لابنه بمستقبل مختلف تمامًا، كان يرى في الدراسة الدولية طريقًا ممهّدًا نحو النجاح الأكاديمي، بعيدًا عن ملاعب الطين والشوارع المغبرة.
أرسله إلى مدرسة دولية، يأمل أن يزرع فيه حب الكتب والمعادلات. لكن الشغف كان أقوى من كل الخطط.
في كل مساء، بعد انتهاء الدروس، كان بيرنارد يهرب إلى الشارع، يطارد الكرة البلاستيكية مع أقرانه، يراوغ الهواء، ويتخيل نفسه نجمًا على الملاعب الكبرى.
وفي النهاية، استسلم الأب أمام إصرار الابن، وقبل القرار الذي سيغيّر مسار العائلة كلها.
جاء التحول ذات يوم عادي، حين كان الصبي يلعب في أحد الأزقة.
مرّ لاعب محلي يُدعى إيمانويل ـ يحمل الاسم نفسه الذي يحمله والد بيرنارد ـ وتوقف ليشاهد تلك الحركات السريعة والتحكم الدقيق بالكرة.
لم يتردد، اقترح على الفتى خوض تجارب أداء وبعد مشاركته في بطولة نظّمتها أكاديمية «فتي فينورد» في غانا، اختير بيرنارد للانضمام إليها.
هناك، تحت أعين مدربين هولنديين صارمين، تعلّم أسرار اللعبة: التحكم بالكرة، اللمسات الدقيقة، والرؤية الواسعة. كان يقول دائمًا في أعماقه: «الحفاظ على الثقة بالنفس، والإيمان الدائم بالنجاح، هما مفتاحا الطريق».
في السابعة عشرة من عمره، عبر المحيط إلى البرتغال، وانضم إلى فيتوريا جيماريش. لعب مع فريق تحت 18 عامًا، ثم ترقّى إلى الفريق الأول، حيث بدأ يخطو خطواته الأولى في عالم الاحتراف الأوروبي.
وفي 2015، جاء العرض الكبير: أتلتيكو مدريد. حلم كل لاعب شاب. لكنه اصطدم بواقع قاسٍ. لم يعجب أسلوبه المدرب الأرجنتيني دييجو سيميوني. وظل خمسة أعوام كاملة يتنقل بين الإعارات: خيتافي دون مشاركة تُذكر، ثم العودة إلى جيماريش حيث خاض ستًا وعشرين مباراة، ثم قاسم باشا التركي، فبشكتاش، فقيصري سبور. رحلة طويلة من المطارات والفنادق والملعب الذي يتغير كل موسم، حتى حطّ رحاله أخيرًا في السعودية.
مع نادي الرياض، وجد شيئًا يشبه الاستقرار، لعب ثلاثين مباراة، سجّل خمسة أهداف وصنع ثلاثة، وترك بصمته في دوري «روشن» وكأس خادم الحرمين.
ثم غادر في الثاني عشر من يوليو 2025، متجهًا إلى النصر الإماراتي. مرت 396 يومًا، وعاد من جديد.
في يوم الأربعاء، أعلن نادي الرياض عبر حسابه الرسمي: «عاد إليكم من جديد.. الفهد مينساه مع الرياض». عاد اللاعب البالغ من العمر واحدًا وثلاثين عامًا إلى «مدرسة الوسطى»، كأن الرحلة الطويلة كانت مجرد استراحة قصيرة.
خارج الملعب، يجد بيرنارد سكينته في أشياء بسيطة: يقيم مع عائلته، يقضي الساعات معهم، يلعب ألعاب الفيديو، ويشاهد الأفلام.
وفي ذاكرته الكروية، يظل زين الدين زيدان وكاكا نجمين لا يغيبان، يذكرانه دائمًا بأن الأناقة على الملعب تبدأ من الروح قبل القدم.
