بالأمس نظرت على الزملاء والأصدقاء، وقلت عن هذا جيد، وذاك سيئ، وفلان يفهم، وفلان لا يفهم، والمغني الفلاني يبحث عن المال، واللاعب الفلاني محظوظ، والتاجر الفلاني لا يفهم بالتجارة، وفلان المليونير لولا الميراث الذي ورثه لن ينجح له مشروع. في المساء شعرت بحرارة في رأسي، وبرودة في جسمي، ثم قضيت الليل على السرير أحاول سرقة غفوة من حرارتي المرتفعة، وأنسى فيها الصداع المستمر. شعرت بضعف شديد وسألت الله أن يخفف عني. وجدت نفسي أرى الحياة بمنظور مختلف، كان أهم شيء بالنسبة لي هو استعادة صحتي، ولن يهمني شيئًا سواها كائنًا ما كان، بدا حلمي بامتلاك مزرعة نموذجية فيها الحياة العصرية تافهًا، والمشروع الذي أعمل على تنفيذه منذ مدة لا قيمة له، كل ما أتمناه أن يعود جسدي طبيعيًا. لم أستطع الرد على كل المكالمات، ولم أسجل الرسائل صوتيًا لأن صوتي صار مثل صوت الممثل يوسف داود رحمه الله. في الليل والصباح كنت ضعيفًا منهكًا، ورحت ألوم نفسي على الغرور الذي كنت أعيشه، ولا أقصد بأني مغرور لأني فلتة الزمان، بل لأني نسيت أن الإنسان كائن ضعيف «تسدحه» ارتفاع حرارة، أو إنفلونزا من ميكروب عابر. كان من الأجدر أن أكون أكثر هدوءًا وتسامحًا وطيبة، وأكثر تحفظًا في كلامي. عند عصر اليوم التالي استطعت النهوض من السرير بشكل أفضل، وأكلت القليل، أحسست بشيء من التحسن، وعادت لي بعض القوة، بدأت بالرد على المكالمات، وفي إحدى المكالمات انتبهت أني قلت على لاعب كرة: خله يولي ما يفهم!. لم أحتج أكثر من ساعتين لأرى تناقضي المؤسف، قبل ساعات وأنا أكابد الحرارة رأيت الحياة بشكل مختلف، والآن وبعد أن شعرت بالقوة عدت إلى غرور الجاهلين. الإنفلونزا قد تهادنك، تعطيك راحة لساعة أو ساعتين بمساعدة دواء، لكنها تعود إليك لتذكرك بأن لها عمرها الافتراضي الذي لا بد وأن يمر على الجسد. عادت الحرارة، وعاد الضعف، وعدت أنا أرى الحياة بشكل مختلف.