د. إبراهيم بكري
العمل العميق
2026-08-21
الرياضة بوصفها علمًا لا تختلف عن العلوم الإنسانية الأخرى من ناحية ارتباطها بالنظريات العلمية، التي تسهم في تطورها وتجويد عملها.

ومن أجل ضمان مواكبة الرياضة السعودية، من الناحية الإدارية، المجالات الأخرى، التي تميَّزت بنجاحاتها، يجب أن نؤمن بأهمية القيادة الرياضية في المنظمات على مختلف الأصعدة، من وزارة الرياضة إلى الأندية الرياضية.

سأخصِّص هذه الزاوية كل يوم جمعة لتسليط الضوء على علم الإدارة الرياضية وقيادة المنظمات الرياضية.

واليوم سأتحدث عن ملخص كتاب «العمل العميق: قواعد للتركيز في عالم مشتت» للكاتب كال نيوبورت.

يرى نيوبورت، أن القدرة على التركيز أصبحت من أهم المهارات في عصرٍ تزداد فيه المشتِّتات الرقمية، وكثرة الاجتماعات، والرسائل، والإشعارات، ووسائل التواصل الاجتماعي.

ويقصد بالعمل العميق القدرة على التركيز الكامل في مهمةٍ تتطلَّب جهدًا ذهنيًّا بعيدًا عن المشتِّتات للوصول إلى نتائجَ ذات قيمةٍ. في المقابل، هناك ما يُسمِّيه الكاتب العملَ السطحي، وهو العمل الذي لا يتطلَّب تركيزًا كبيرًا مثل متابعة البريد الإلكتروني، والرد على الرسائل، والاجتماعات المتكررة.

ويؤكد الكتاب، أن الانتقال المستمر بين المهام لا يعني بالضرورة زيادة الإنتاجية، بل قد يؤدي إلى استنزاف الذهن، وانخفاض جودة النتائج، لذا فإن تخصيص أوقاتٍ محدَّدةٍ للتركيز، وإبعاد المشتِّتات، يمكن أن يرفعا مستوى الأداء بصورةٍ واضحةٍ.

ومن أهم أفكار الكتاب، أن التركيز مهارةٌ يمكن تطويرها بالتدريب، وليس موهبةً، يُولد بها الإنسان، وكلما اعتاد الشخص على العمل فتراتٍ محدَّدةً دون مقاطعةٍ، أصبح أكثر قدرةً على إنجاز المهام الصعبة والمعقدة.

وهنا يمكن إسقاط الفكرة على الإدارة الرياضية، فالقيادي الرياضي الذي يقضي يومه متنقلًا بين الاجتماعات، والرسائل، والقرارات العاجلة قد يكون مشغولًا طوال الوقت، لكنه ليس بالضرورة منتجًا. أمَّا القائد الذي يعرف كيف يخصِّص وقتًا للتفكير، والتحليل، وصناعة القرار، فإنه يمنح نفسه فرصةً أكبر لاتخاذ قراراتٍ أكثر جودةً.

كذلك، تطبيق مفهوم العمل العميق في الأندية والاتحادات والمنظمات الرياضية يمكن أن يسهم في تحسين التخطيط، وتحليل الأداء، وإدارة الموارد، وبناء الاستراتيجيات طويلة المدى.

لا يبقى إلا أن أقول:
إن الرياضة الحديثة لم تعد تعتمد على الموهبة وحدها، ولا على الموارد المالية فقط، بل أصبحت تعتمد بدرجةٍ كبيرةٍ على جودة الإدارة، والقدرة على التفكير واتخاذ القرار. وفي عالمٍ رياضي سريعٍ ومتغيِّرٍ قد يكون امتلاك القدرة على التركيز العميق إحدى الأدوات التي تمنح القائد الرياضي أفضليةً حقيقيةً.

هنا يتوقف نبض قلمي، وألقاك في صحيفتنا «الرياضية»، وأنت كما أنت جميلٌ بروحك وشكرًا لك.