خالد الربيعان
حكاية تمساح
2026-08-23
الأخبار الرياضية، صفقات اللاعبين، انتقالات النجوم، الاستثمارات، الملاعب الجديدة، والبطولات العالمية.. أصبحت الرياضة اليوم أكبر بكثير من مجرد تسعين دقيقة داخل الملعب. ولذلك دعونا هذا الأسبوع نبتعد قليلًا عن أخبار كرة القدم، ونذهب إلى حكاية بدأت من ملعب تنس، لكنها انتهت بصناعة واحدة من أشهر العلامات التجارية في العالم.
حكاية التمساح.
هل تعلمون أن لاعبي التنس في بدايات اللعبة كانوا يمارسونها بملابس أقرب إلى ملابس الأوبرا؟ قميص كلاسيكي طويل الأكمام، وسروال قماشي طويل، وربطة عنق كرافتة! نعم.. هكذا كان شكل لاعب التنس في ذلك الزمن.
لكن في عشرينيات القرن الماضي ظهر شاب فرنسي اسمه رينيه لاكوست، لاعب تنس لم يكن مقتنعًا بأن عليه أن يخوض مباراة تمتد لساعات وهو يرتدي ملابس ثقيلة وغير مريحة، لمجرد أن هذا هو المتعارف عليه.
فكر بطريقة مختلفة.
ذهب إلى خياط وقال له إنه يريد قميصًا من القطن، خفيفًا ومريحًا، وفي الوقت نفسه أنيقًا. وكانت النتيجة قميصًا قصير الأكمام، مختلفًا تمامًا عن ملابس لاعبي التنس في ذلك الوقت.
ارتداه رينيه في الملعب، فلفت الأنظار، لكنه لم يكن مجرد لاعب يبحث عن الراحة. كان لاعبًا استثنائيًا أيضًا، وحقق إنجازات كبيرة، من بينها الفوز مع فرنسا بكأس ديفيز، حتى أصبح اسمه معروفًا في عالم التنس.
لكن اللقب الذي التصق به كان أغرب من كل ذلك.
التمساح.
أطلق عليه الجمهور والصحافة هذا اللقب بسبب أسلوبه الشرس وإصراره وعدم استسلامه داخل الملعب، فأعجب رينيه، وقرر أن يحوله من مجرد لقب إلى هوية.
وفي إحدى المرات دخل الملعب بقميصه الخفيف، وعلى صدره تمساح أخضر صغير.
قد تبدو القصة اليوم عادية جدًا، لكن في ذلك الوقت كانت فكرة وضع شعار واضح على الملابس الرياضية جديدة ومختلفة. والأهم أن رينيه لم يتوقف عند حدود الملعب.
اعتزل التنس، لكنه لم يعتزل المنافسة.
انتقل من المنافسة داخل الملعب إلى المنافسة في السوق، وأسّس شركة لاكوست، وبدأ في صناعة قمصانه التي أصبحت مع الوقت أكثر من مجرد ملابس رياضية. ألوان مختلفة، منتجات جديدة، مضارب تنس، عطور، وقطع أزياء.. وكلها تحمل التمساح نفسه.
وهنا تكمن عبقرية رينيه الحقيقية. لم يكن يبيع قميصًا. كان يبيع علامة تجارية.
كان يفهم مبكرًا أن المستهلك لا يشتري قطعة قماش فقط، وإنما يشتري قصة وهوية وانتماء وصورة ذهنية. ولذلك أصبح التمساح الصغير أحد أشهر الشعارات في عالم الأزياء والرياضة.
وهذه القصة بالنسبة لي ليست قصة «لاكوست» فقط، بل واحدة من أقدم القصص التي تشرح كيف يمكن للرياضي أن يتحول من مجرد لاعب إلى صانع صناعة.
رينيه لاكوست لم يصنع التاريخ لأنه كان لاعب تنس فقط، بل لأنه أدرك أن الرياضة يمكن أن تكون منصة لصناعة منتجات وعلامات تجارية وأسواق جديدة.
وهنا نعود إلى السعودية.
نحن اليوم نعيش واحدة من أكبر مراحل التحول الرياضي في تاريخ السعودية. أندية تتطور، واستثمارات ضخمة، ومنشآت رياضية، وبطولات عالمية، ودوري سعودي أصبح يحظى بمتابعة واهتمام دوليين، وجمهور شاب يمثل سوقًا استهلاكيًا هائلًا.
لكن عندما ننظر إلى الجانب التجاري من الرياضة، نجد أنفسنا ما زلنا نعتمد بدرجة كبيرة على العلامات العالمية في الملابس والمستلزمات الرياضية.
قمصان الأندية، الأحذية، المعدات، أدوات التدريب، المنتجات الجماهيرية وغيرها.
والسؤال هنا ليس: لماذا نتعامل مع الشركات العالمية؟
بل السؤال الأهم: متى نصنع شركاتنا نحن؟
متى يظهر رينيه السعودي؟
شركة تبدأ من قميص رياضي، ثم تصنع حذاءً، ثم معدات تدريب، ثم منتجات للجماهير، ثم تصبح علامة سعودية تنافس في الأسواق العالمية؟
نحن لا نفتقد المال، ولا السوق، ولا المواهب، ولا الكفاءات. بل على العكس، ربما لا توجد اليوم في المنطقة فرصة أكبر من الفرصة التي تملكها السعودية لبناء صناعة رياضية متكاملة.
لكن المال وحده لا يصنع العلامات التجارية.
العلامات تصنعها الأفكار، والجرأة، والتسويق، والاستمرارية، والقدرة على تحويل المنتج إلى قصة.
وهذا تحديدًا ما فعله رينيه لاكوست قبل نحو قرن.
رأى مشكلة بسيطة في ملابس لاعبي التنس، ففكر بطريقة مختلفة. صنع قميصًا أكثر راحة، ووضع عليه تمساحًا صغيرًا، ثم حوّل ذلك التمساح إلى واحدة من أشهر العلامات التجارية في العالم.
واليوم، بعد كل ما وصلت إليه صناعة الرياضة السعودية، أعتقد أن الوقت حان لنسأل أنفسنا:
لماذا لا يكون لدينا تمساحنا الخاص؟
لماذا لا يكون هناك شعار سعودي على صدر لاعب عالمي، فيراه الملايين حول العالم، ويعرفون أنه منتج سعودي؟
لماذا لا نصنع نايكي سعودية أو أديداس سعودية، بدلًا من أن نبقى سوقًا لمنتجات الآخرين؟
قد يبدو السؤال كبيرًا، لكنه في الحقيقة بدأ قبل نحو مئة عام بقميص قصير الأكمام وتمساح أخضر صغير.
الفرق أن رينيه رأى في القميص صناعة.. ونحن لا يزال علينا أن نرى في الرياضة صناعة كاملة.