د. إبراهيم بكري
لماذا عزوف الجماهير؟!
2026-08-25
الرياضة لم تعد مجرد منافسة داخل الملعب، ولا البطولات مجرد 90 دقيقة تنتهي بصافرة الحكم. الرياضة اليوم صناعة متكاملة، والجمهور أحد أهم عناصر نجاحها. فلا يمكن أن نتحدث عن دوري قوي، أو منافسات جماهيرية، أو صناعة رياضية مستدامة، بينما تبقى المدرجات فارغة.
لقد تطورت الرياضة السعودية بشكل كبير، وارتفع مستوى المنافسة، واستقطبت الأندية أسماء عالمية، وأصبحت المباريات تحظى باهتمام جماهيري وإعلامي واسع. لكن هذا التطور يحتاج إلى أن يواكبه اهتمام أكبر بتجربة المشجع، بدءًا من حصوله على التذكرة، ووصوله إلى الملعب، وانتهاءً بخروجه وهو يحمل ذكرى جميلة.

ومن المؤشرات التي تستحق التوقف عندها ارتفاع أسعار التذاكر في بعض المباريات، وهو أمر قد يجعل حضور بعض الجماهير قرارًا صعبًا، خصوصًا للعائلات والشباب الذين يرغبون في متابعة أكثر من مباراة خلال الموسم. والنتيجة قد تكون مؤلمة، مباراة قوية داخل الملعب، ومدرجات لا تعكس حجم الحدث وأهميته.

الجمهور ليس مجرد مصدر دخل من بيع التذاكر، بل هو جزء من متعة كرة القدم. الهتافات، والأعلام، والتفاعل مع الأهداف، وصوت المدرجات، كلها عناصر تمنح المباراة شخصيتها. وقد نشاهد مباراة متوسطة فنيًا، لكنها تصبح ممتعة بسبب الحضور الجماهيري، بينما تفقد مباراة كبيرة جزءًا من قيمتها عندما تكون المدرجات شبه خالية.

لذلك أعتقد أن الأندية والجهات المنظمة بحاجة إلى التفكير في حوافز حقيقية للجماهير، وليس فقط تخفيض أسعار التذاكر. يمكن تقديم باقات موسمية بأسعار مناسبة، وتذاكر للعائلات، وحوافز للطلاب، وبرامج ولاء للمشجعين، وربط التذاكر بتجارب داخل الملعب، إضافة إلى عروض تشجع المشجع على الحضور المتكرر.

كما أن تسعير التذاكر يجب أن يكون مرنًا، بحيث يختلف وفق أهمية المباراة ودرجة المدرج، مع المحافظة على فئات سعرية يستطيع الجمهور العادي تحملها. فليس الهدف أن نبيع التذكرة بأعلى سعر ممكن، وإنما أن نحقق المعادلة الأصعب: مدرج ممتلئ، وجمهور سعيد، ونادٍ يحقق عائدًا مستدامًا.

لا يبقى إلا إن أقول:
بناء الرياضة السعودية لا يكتمل بالاستثمار في اللاعبين والمنشآت فقط، بل بالاستثمار في الإنسان الذي يأتي إلى المدرج. فالجمهور هو الذي يمنح البطولة روحها، ويصنع ذكرياتها، ويمنح اللاعبين الدافع لتقديم الأفضل.

نحن لا نريد ملاعب حديثة فقط، بل نريد ملاعب تنبض بالحياة. ولا نريد دوريًا يملك أفضل اللاعبين فقط، بل دوريًا يملك أفضل تجربة جماهيرية.

فإذا كانت الرياضة صناعة، فإن الجمهور هو قلب هذه الصناعة. ومن يريد أن يمتلك رياضة المستقبل، عليه ألّا ينتظر الجمهور.. بل أن يجعله شريكًا في صناعة المستقبل.

هنا يتوقف نبض قلمي وألقاك بصحيفتنا «الرياضية» وأنت كما أنت جميل بروحك وشكرًا لك.