أحمد الحامد⁩
أنا ومايك تايسون!
2026-09-04
لم أعد أتخيَّل أنني بطلُ ملاكمةٍ، ولا لاعبٌ ينقذ فريقه ويقوده إلى الألقاب، ولا مليونيرٌ يُحسِن التصرُّف بماله، ويعمل أعمالًا خيريَّةً! لقد تغيَّر الخيال مع التقدُّم في العمر. صرت أكثر واقعيةً، وأصبحت أنامُ بلا خيالاتٍ إطلاقًا. يُقال: إن في الخيالِ حياةً. وهي مقولةٌ حقيقيةٌ، لكنَّ الإكثار من الخيال يُسبِّب أضرارًا نفسيةً على أرض الواقع.
اليوم عندما أستعيد خيال الماضي، أجد أنه كان عبثيًّا، فكيف كنت أهزم مايك تايسون بوزنه الثقيل بينما كان وزني حينها 70 كيلوجرامًا؟! ثم كيف استطعت أن أصبح مليونيرًا، وأنا لا أعرف أساسيات التجارة وحساباتها وكل شؤونها الإدارية؟!
اليوم أقول: لا مشكلةَ في الخيال بشرط أن يكون في مجالك وتخصُّصك، حينها فقط يصبح محفِّزًا على تقديم الأفكار، ويتحوَّل إلى طاقةٍ تدفع صاحبها إلى المضي بالعمل. قد يتخيَّل الإنسان شيئًا في مجاله، ثم يبدأ في تطبيقه، وقد يخرج من رحلة التطبيق بشيءٍ رائعٍ، أو شيءٍ يوصله إلى شيءٍ رائعٍ.
لم تكن فكرة عالم الرياضيات الروسي كونستانس تسيو لكوفسكي بالصعود إلى الفضاء عبر الصاروخ إلا مجرَّد خيالٍ، لكنَّه حاول تطبيق خياله على الورق، فلم يكن يملك المقومات المالية. هو رسم المخططات، ووضع الحسابات الفيزيائية، وهي نفسها التي اعتُمدت بوصفها أساسًا للصواريخ الفضائية.
أمَّا أبو الخيال العلمي «هوجو جيرنسباك»، فكان من أكثر المتخيِّلين، ومن أكثر الذين استغلوا خيالهم في تحويله إلى واقعٍ. كان كاتبًا في الخيال العلمي، ومخترعًا. هو صاحبُ فضلٍ كبيرٍ في تطوير وانتشار الراديو في الولايات المتحدة الأمريكية، كما اخترع سمَّاعة الهاتف على شكل عصابة رأسٍ، وهي نفسها التي تحوَّلت لاحقًا إلى «هيدفون»، وابتكر الجهاز المساعد في هبوط الطائرات، وفرشاة الأسنان الكهربائية، إلى جانب ابتكاراتٍ أخرى، وفي عام 1911 ألَّفَ إحدى أشهر روايات الخيال العلمي، وقد كانت مملوءةً بتصوراته التكنولوجية للمستقبل، وفي 1925 أسَّس محطة الراديو WRNY بوصفها واحدةً من أولى الإذاعات في العالم، ثم أسَّس بعدها بعامٍ مجلَّة amazing stories المتخصِّصة في الخيال العلمي.
لهذه الأسباب، قلت: إن خيالي عبثي. هو لم يكن في تخصُّصي، بينما خيال المتخصِّصين غيَّر العالم إلى الأفضل.
يقولُ أينشتاين: «الخيال أهم من المعرفة». أعتقد أنه يقصد أن الخيال، هو أبو المعارف، لأنه منطلقها الذي يجعلها حقيقةً. في حين يقول الشاعر الإنجليزي ويليام بليك: «ما يثبت الآن كان في يومٍ من الأيام مجرد خيالٍ». أمَّا أنا، فقط أسقطت مايك تايسون أرضًا، بل وبالضربة القاضية أيضًا!