خالد الربيعان
هوشة
2026-09-06
أصبحت متابعة البرامج الرياضية السعودية في كثير من الأحيان أشبه بالدخول إلى حلبة مصارعة، لا إلى استوديو إعلامي. تفتح قناة، فتجد تعصبًا، وتنتقل إلى أخرى، فتجد تعصبًا من نوع آخر، وتتابع برنامجًا فتسمع رواية، ثم تكتشف في برنامج آخر رواية مختلفة، وبين هذا وذاك صراخ واتهامات وتدليس وكذب، وأحيانًا تقديم المعلومة بطريقة مجتزأة أو ملتوية حتى تخدم رأيًا أو ميولًا أو موقفًا معينًا.
المشكلة هنا ليست في برنامج محدد ولا في قناة بعينها، وإنما في حالة عامة أصابت جزءًا كبيرًا من الإعلام الرياضي الفضائي السعودي؛ حتى أصبح المشاهد أمام منتج متكرر، عنوانه الدائم هو التعصب والهوشة.
وكأن المطلوب من البرنامج الرياضي ليس أن يضيف للمشاهد معرفة، ولا أن يشرح له ما يحدث، ولا أن يقدم له تحليلًا حقيقيًا، وإنما أن يشحنه أكثر، ويمنحه مادة جديدة للجدال والتعصب مع مشجعي الأندية الأخرى.
والأغرب من ذلك هو الإصرار على استضافة بعض العقول الخاوية التي لا تملك معرفة حقيقية بالرياضة ولا خبرة في الإدارة أو الاستثمار أو القانون أو التدريب أو الاقتصاد الرياضي، لكنها تملك شيئًا واحدًا: القدرة على الصراخ وإثارة الجدل. فيصبح ارتفاع الصوت بديلًا عن قوة الحجة، وتصبح الجرأة في إطلاق الاتهامات بديلًا عن المعلومة، وتتحول الثقة الزائدة إلى ما يشبه المعرفة.
يُستضاف شخص لأنه متعصب، ويُستضاف آخر لأنه مستفز، ويُستضاف ثالث لأنه قادر على إشعال الجمهور، ثم يوضع الجميع في مواجهة بعضهم بعضًا، وتبدأ الهوشة ويسترزق بعضهم من رفع قضايا إلى الجمهور الضعيف، ويُترك المشاهد في النهاية مع انطباع بأن هذه هي الرياضة.
هذه صورة مشوهة لرياضتنا.
كرة القدم أكبر من أن تختصر في من يصرخ أكثر، ومن يهاجم الآخر، ومن يستطيع أن يحول كل قضية إلى مؤامرة. والإعلام الرياضي أكبر من أن يتحول إلى منصة لتفريغ التعصب الجماهيري.
نعم، هناك أخطاء، وهناك قرارات قابلة للنقد، وهناك قضايا تستحق النقاش، وهناك اختلاف في وجهات النظر. لكن النقد شيء، والكذب والتدليس شيء آخر. الاختلاف شيء، وتحريف الحقائق شيء آخر. الدفاع عن النادي شيء، وتحويل كل معلومة إلى كذب ومادة لخدمة النادي شيء آخر.
عندما يعرف الإعلامي أن المعلومة غير مكتملة ثم يقدمها وكأنها حقيقة، فهذا ليس رأيًا.
وعندما يعرف أن الرواية تخدم اتجاهًا معينًا فيخفي الجزء الآخر منها، فهذا ليس تحليلًا.
وعندما تُكرر معلومة غير صحيحة عشرات المرات حتى تصبح في وعي الجمهور حقيقة، فهذه ليست حرية رأي.
والمشكلة الأكبر أن هذا التدليس لا يتوقف عند حدود البرنامج؛ بل ينتقل إلى وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحول إلى معارك بين الجماهير، ويزداد التعصب، ثم تعود البرامج نفسها لتناقش حالة التعصب التي أسهمت هي في صناعتها!
إنها دائرة مغلقة: البرنامج يشعل التعصب، والجمهور يتعصب، ووسائل التواصل تشتعل، ثم يعود البرنامج ليقدم لنا «ردود الأفعال» وكأن الأمر حدث من تلقاء نفسه.
وفي وسط هذه الدائرة اختفت تقريبًا مساحة مهمة جدًا: المحتوى الرياضي الذي يصنع المعرفة.
أين البرامج التي تتحدث عن الرياضة باعتبارها صناعة؟
أين البرامج التي تناقش اقتصاديات الأندية، والاستثمار الرياضي، والحوكمة، والتسويق، وحقوق البث، وإدارة المنشآت، وصناعة العلامات التجارية؟
أين البرامج التي تستضيف أصحاب التجارب والخبرات الحقيقية؟
أين المتخصصون في الإدارة الرياضية؟ أين الاقتصاديون؟ أين القانونيون؟ أين خبراء التسويق؟ أين علماء الرياضة؟ أين المختصون في تحليل البيانات والأداء؟ أين المدربون الذين يستطيعون أن يشرحوا كرة القدم بدلًا من أن يتجادلوا حولها؟
أين البرامج التي تتحدث عن الأكاديميات واكتشاف المواهب وتطوير الناشئين والطب الرياضي والتغذية والأداء البدني؟
أين البرامج التي تجعل المشاهد يفهم لماذا ينجح نادٍ ويفشل آخر؟ وكيف تُبنى الفرق؟ وكيف تُدار الميزانيات؟ وكيف يمكن للدوري السعودي أن ينافس أكبر الدوريات العالمية ليس فقط في النجوم، وإنما في الإدارة والمنتج والبنية التحتية والاستدامة؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من السؤال المتكرر: من المظلوم؟
لكن يبدو أن بعض القنوات اكتشفت أن استضافة العقل الهادئ والمتخصص أقل إثارة من استضافة العقل الخاوي الصاخب.
اكتشفت أن الخبير الذي يتحدث بالأرقام أقل جذبًا من الشخص الذي يطلق اتهامًا.
وأن النقاش العلمي أقل انتشارًا من المشاجرة.
وأن الحقيقة الهادئة لا تصنع «ترندًا» مثل الكذبة المستفزة.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
الرياضة السعودية تعيش مرحلة تاريخية. هناك استثمارات ضخمة، وتطور في الأندية، ومشاريع رياضية كبرى، وطموح لأن تصبح المملكة مركزًا عالميًا للرياضة. وفي الوقت الذي تتطور فيه الصناعة الرياضية بهذه السرعة، لا يزال جزء كبير من إعلامنا الرياضي يتعامل مع كرة القدم بعقلية المدرج: هذا ناديي، وهذا خصمي، وهذا ضدي، وكل ما يخدم ناديي حقيقة، وكل ما يخدم المنافس مؤامرة.
نحن لا نحتاج إعلامًا يكرر تعصب الجمهور.
نحن بحاجة إلى إعلام يرتقي بالجمهور فوق تعصبه.
نحتاج إعلاميًا يقول للمشجع: أحب ناديك كما تشاء، لكن عندما تدخل الاستوديو اترك التعصب عند الباب.
نحتاج من يسأل عن الحقيقة قبل أن يسأل عن الإثارة.
نحتاج من يتحقق قبل أن يتحدث.
نحتاج من يناقش الأرقام بدلًا من الصراخ.
نحتاج من يستضيف العقول، لا الأصوات المرتفعة.
نحتاج إلى إعلام يجعل المشاهد أكثر فهمًا للرياضة بعد ساعتين من المشاهدة، لا أكثر غضبًا من خصمه.
فالمشكلة ليست أن تكون هناك مساحة للجدل في الإعلام الرياضي، فالجدل جزء طبيعي من كرة القدم. المشكلة أن يتحول الجدل إلى المنتج الرئيسي، وأن يصبح التعصب وسيلة لرفع المشاهدة، وأن يصبح الكذب والتدليس وسيلة لصناعة الإثارة، وأن تصبح استضافة العقول الخاوية خيارًا مقصودًا لأنها أكثر قدرة على إشعال الجمهور.
الجمهور السعودي يستحق أفضل من ذلك.
والرياضة السعودية تستحق إعلامًا يوازي حجم ما يحدث فيها.
إعلامًا يصنع ثقافة رياضية، لا ثقافة تعصب.
يصنع معرفة، لا أوهامًا.
يقدم حقائق، لا تدليسًا.
يستضيف العقول، لا الخاوي منها.
يناقش، لا يتشاجر.
ويرتقي بالمشهد بدلًا من أن يهبط به.
أما أن تكون غالبية وجبتنا الرياضية اليومية عبارة عن تعصب، وكذب، وتدليس، وصراخ، واستضافة أشخاص لا يملكون من أدوات الحوار إلا القدرة على إشعال الهوشة، ثم نسمي ذلك إعلامًا رياضيًا.
هذه ليست صناعة إعلام رياضي.
هذه هوشة.