أحمد الحامد⁩
حوارات وبودكاست
2026-09-16
كلما شاهدت مقدم برامج يحاول صنع الإثارة، وتحويل برنامجه إلى جدال لا ينتهي، تمنيت لو أني أستطيع الهمس في أذنه: «لا تفعل.. قد تنجح في المشاهدات، لكنك تخسر في صنع الأثر».
أقول ذلك من تجربة في برامج حوارية قدمتها في بداية المشوار، الكثير منها كان حوارات ساخنة على مواضيع آنية، كانت تجد صدى عند الناس والإعلام، لكني اليوم عندما أعود للاستماع لبعض الحلقات أجدها خالية من آراء الضيوف العميقة، ومن أفكارهم؛ لأني بالأساس لم أكن أعطي الضيف فرصة ليتحدث عن رؤيته، بل كنت أضعه في زاوية المدافع، لا زاوية صاحب الرأي والفكر. ليس كل الحلقات طبعًا، لكن الكثير منها.
بالأمس دار حوار بيني وبين أحد الأصدقاء عن البرامج الحوارية اليوم، وطبعًا لا أقصد الفنية؛ لأنه لا برامج فنية اليوم، لأن الفنانين أصبحوا، حسب وجهة نظرهم، لا يحتاجون للإذاعات والصحف، مكتفين بالسوشيال ميديا.
أقصد البرامج الرياضية بدرجة أولى، أغلبها تعتمد النقاشات الحادة وصنع الإثارة، وفي هذا ظلم للضيوف والجمهور، فالضيف في النقاشات الحادة لا يكون في أحسن أحواله، والمحلل الفني بحاجة لمساحة هادئة ليطرح أفكاره ورؤيته، أما الجمهور فلن يستفيد من الإثارة و«فلان قال وفلان رد عليه».
بعد زمن، إذا عاد المشاهد وشاهد حلقة قديمة، سيجد أنها حلقة إثارة وقتية، تموت بمجرد أن يمضي الوقت، وهذا ما حدث معي عندما أعود وأستمع لبعض حلقاتي القديمة، عندما كنت أستعرض ألبوم الفنان و«استقعد» له طوال الحلقة، أصبح الألبوم اليوم قديمًا، وأصبحت الحلقة نقاشًا ميتًا بعدما مضى الزمن.
نجاح البودكاست بصورة كبيرة سببه أن المساحة الكبيرة من البرنامج للضيف، يقول فيها ما يشاء، يعطي كل أفكاره وتجاربه دون مقاطعة، ودون تحويل الحوار إلى شد وجذب أو وضع الضيف في زاوية المدافع طوال الحلقة.
قد تكون حلقات البودكاست هادئة بلا إثارة، لكن مشاهداتها الكبيرة دليل على قيمتها وحب الناس لها واستفادتهم منها.
كل ضيف في أي برنامج لديه ما يود قوله، ومهمة المحاور الأولى، حسب رأيي، هي تهيئة الأجواء المناسبة التي تساعد الضيف على استخراج ما بداخله بصورة كافية، فالضيف هو نجم الحلقة، والضيوف نجوم، والحوار الهادئ يستخرج آراء وأفكار الضيف، وهذا لا يعني ألا يكون الحوار صريحًا، أو أنه غارق في المجاملة.
الحوارات ليست منافسة بين مقدم البرنامج وضيفه أو ضيوفه، والتأثير الحقيقي في تقديم محتوى قيّم، والحوارات الصاخبة لا تعني أبدًا أنها حلقات ناجحة.