أخيرا.. كأس الخليج ترضخ

الدمام ـ خالد الشايع 2026.09.23 | 02:48 pm

لم يكن من المنطقي، ولا المقبول في أعراف المستديرة، أن يعبر المنتخب السعودي قارات العالم ليصعق بلجيكا ويزاحم الكبار في ثمن نهائي مونديال أمريكا 1994، ثم يعود ليعجز عن ترويض بطولة إقليمية في جواره الجغرافي.
كانت كأس الخليج بمثابة العقدة النفسية الأزلية، التي استعصت على أجيال كروية متعاقبة، وانتظر الشارع الرياضي السعودي 24 عامًا كاملة، و11 نسخة من الإحباط المرير، ليُعلن أخيرًا وتحديدًا من أبوظبي في «خليجي 12»، كسر النحس واعتلاء العرش الخليجي بتسع نقاط صبغت الكأس أخيرًا باللون الأخضر.
تلك النسخة لم تكن مجرد بطولة، بل كانت استعادة للهيبة، تقاسم قائد الكتيبة فؤاد أنور صدارة الهدافين مع المهاجم القطري الراحل محمود صوفي بأربعة أهداف لكل منهما، في ليلة شهدت استبسال الحارس الإماراتي المخضرم محسن مصبح، الذي نال بدوره جائزة أفضل حارس في الدورة.
المفارقة الكبرى في هذا المنجز التاريخي، أنه جاء بأقدام وعقلية وطنية، فحين عجز 11 مدربًا أجنبيًا تعاقبوا على المقعد الفني طوال ربع قرن عن حل الشفرة الخليجية، نجح محمد الخراشي في تفكيك العقدة.
الخراشي، الذي كان خبيرًا بسيكولوجية اللاعب السعودي ودهاليز الضغط النفسي للدورة، يعي تمامًا كم هي ثقيلة تركة أسلافه، وهو الذي شهد تاريخيًا كيف حرك الاتحاد السعودي أوراقه الوطنية حين حل خليل الزياني بديلًا للبرازيلي زاجالو لإنقاذ الموقف في نسخة 1984.
رسم الخراشي تكتيكًا صارمًا عصبُه التوازن الدفاعي والكثافة البدنية الصارمة في خط المنتصف، ممتصًا بانضباط تكتيكي حديدي بأسلوب الكرات الطولية والاندفاع العنيف الذي تميزت به بقية المنتخبات الخليجية.
وضمت تشكيلة الأبطال في تلك الدورة التاريخية جيل العمالقة الاستثنائي، يتقدمهم الأسطورة محمد الدعيع حاميًا للعرين، وضابط الإيقاع فؤاد أنور، مع سعيد العويران، وسامي الجابر، وفهد المهلل، لتتحول المجموعة إلى آلة متكاملة لم تفتنها الضغوط.



زلزال غرف الملابس



سار قطار الأخضر بثبات، فاستهل مشواره بالفوز على عُمان 2ـ1، ثم تعادل مع المستضيف الإمارات 1ـ1، قبل أن يكتسح البحرين بثلاثية نظيفة، ويتجاوز قطر 2ـ1.
وقبل موقعة البحرين المنعطف الأبرز، استدعى الخراشي ثلاثي الوسط أنور ومسعد والعويران، طالبًا مرئياتهم لغلق المساحات، وبشهادة المدافع صالح الداود، سهر اللاعبون حتى الفجر يشرّحون شريط فيديو الخصم، لينزلوا مساءً بخطةٍ صاغوها بأنفسهم وسحقوا بها البحرين بثلاثية، مبرهنين على نضج جيل بات يدير معاركه الفنية بمعزل عن الخارج.
وقبل موقعة قطر، دار نقاش حاد ومكتوم خلف كواليس قاعة المحاضرات حول أدوار دفاعية صارمة كبّل بها الخراشي صناع اللعب لتعطيل «العنابي». وعلى الرغم من تذمر بعض النجوم ونبرتهم الحادة في غرف الملابس، عادين أن تقييد حريتهم سيصيب المنظومة بالشلل أمام تكتل قطر، إلا أن تمسك الخراشي بتكتيكه أثمر انتصارًا تاريخيًا مبرهنًا للجميع أن معارك الخليج تُدار بالانضباط لا بالاندفاع.
وفي الجولة الختامية أمام الكويت، نزل اللاعبون وفي صدورهم رغبة جامحة لتصفية الحسابات التاريخية، فقدموا ملحمة بطولية انتهت بفوز السعودية بهدفين نظيفين، معلنةً اعتلاء «الأخضر» منصة التتويج بطلًا للخليج للمرة الأولى في تاريخه.
وقبل تلك الموقعة، كان الصراع محتدمًا بين السعودية والإمارات، بينما ترنحت الكويت بمستوى متراجع، وفي تلك الأثناء، صُدم الشارع الرياضي بقرار إيقاف مجموعة من ركائز الأزرق الكويتي ـ يتقدمهم النجم الواعد ناصر السوحي ـ بسبب عقوبة انضباطية داخلية فرضها الاتحاد الكويتي لاستهتارهم بـ «رحلة تسوق»، قبل عودتهم لاحقًا للملاعب.
على أرض الواقع، كانت الفوارق الفنية شاسعة بين الطرفين قبل إطلاق صافرة البداية، فالمنتخب الكويتي دخل المواجهة مثقلًا بتراجع فني واضح، بعد خسارتين أمام البحرين والإمارات وتعادل مع عُمان، وفي المقابل، كان المنتخب السعودي يمر بأفضل فتراته البدنية والتكتيكية، مستندًا إلى الإرث المعنوي والنضج الذي تشكّل في ملاعب مونديال أمريكا قبل أربعة أشهر فقط.
ومع ذلك، أدرك المدرب الوطني محمد الخراشي أن المعضلة ليست تكتيكية بقدر ما هي ذهنية.. وقبيل المباراة، نقل الخراشي النقاش من اللوحة التكتيكية إلى مواجهة الحقيقة، حيث توجه بحديث مباشر وصارم إلى الثلاثي فهد المهلل وسامي الجابر وسعيد العويران، واضعًا إياهم أمام مسؤولية التاريخ: «الجمهور لن يرحم، إذا عُدنا غدًا بوصافة أو برونزية، فإن منجز المونديال سيُطوى في صفحات النسيان، وسيُنظر إليكم كجيل حقق طفرة عابرة، لكنه عاجز عن إثبات جدارته في محيطه الإقليمي».
هذه المكاشفة الحادة جرّدت اللاعبين من فكرة التفوق المسبق، وتحولت في الميدان إلى انضباط بدني عالي التركيز، نجح من خلاله فهد المهلل في حسم الشوط الأول برأسية متقنة، قبل أن يؤكد فؤاد أنور التفوق السعودي بالهدف الثاني في الدقيقة 80، لينتهي اللقاء بثنائية نظيفة وضعت حدًا لعقدة ربع القرن.
حمل القائد فؤاد أنور تلك الكأس المستعصية، واصفًا لحظة الصعود إلى منصة التتويج بـ «فجر الخلاص» الذي غسل مرارة الانكسارات وأعوام النقد الإعلامي الشرس، التي كبّلت تطلعات الأجيال المتعاقبة منذ مطلع السبعينات. وهو الانطباع ذاته الذي يحتفظ به المهاجم فهد المهلل عن ليلة القبض على الكأس، إذ لم تكن مجرد نصر عابر، بل كانت صك براءة لجيلٍ طالما اتُّهم بالعجز الإقليمي.
مشهد البكاء الجماعي الهستيري في غرف الملابس عقب صافرة النهاية، وعناق الخراشي للأمير الراحل فيصل بن فهد، لم يكن مجرد تعبير عن فرحة عابرة، بل كان إعلانًا صريحًا عن الانعتاق من إرث ثقيل من الضغوط والإحباطات التراكمية.
لكن المظاهر الاحتفالية الصاخبة التي كادت تنفجر في ردهات أبوظبي، كُبحت فورًا ببروتوكول إداري صارم فرضه الأمير الراحل فيصل بن فهد، إذ أصدر توجيهًا حازمًا بمنع خروج اللاعبين إلى شوارع المدينة للاحتفال، إدراكًا منه بأهمية حماية المنجز الأول من أي شحن إعلامي مضاد قد يخدش بهجة التتويج. استجابت الكتيبة فورًا، وانكفؤوا إلى معسكرهم لينظموا حفلة مغلقة داخل صالة الطعام، امتزجت فيها أهازيج العويران واللاعبين الشبان بدموع الانعتاق والتحرر، مستشعرين في تلك الليلة الاستثنائية ثقل الإرث الذي ألقوه عن كاهل المنظومة كاملة.
لقد أنكسر النحس، وانتهت القصة العنيدة بفوز مستحق، وكأس جديدة، قد لا تكون الأثمن، ولكن الأهم.


Google News تابع آخر أخبار الرياضية على Google News