في أوقات متباعدة، تُجبر كرة القدم على الوقوف أمام مرآة الحقيقة، لتكتشف أن وجهها الجميل قد تشوّه. واليوم، تبدو الرياضة السعودية وكأنها تتأمل شروخًا عميقة في مرآتها.. بيد أن الذنب هنا لا يقع على عاتق ذلك المشجع البسيط الذي يدعم فريقه، بل يمتد إلى منصات ومنابر احترفت بيع الضغينة بأسلوب متفشٍّ.
إن ما يتدفق عبر شاشات البرامج الحوارية، أو يتردد صداه في كواليس الفضاء الرقمي عبر منصة «X»، لا يمكن تصنيفه إلا كسقوط جماعي في فخ التعصب المقيت. لسنا هنا بصدد «تعصب تقليدي» يمكن التغاضي عنه كعرض جانبي للعبة، بل نحن أمام تآكل أخلاقي عميق؛ نفق مظلم استُبيحت فيه حتى حرمة الموتى، وصار فيه تزييف الحقائق بدم بارد بضاعة يومية تُقايض بنسب المشاهدة والتفاعل البائس.
هذه ليست مجرد أزمة مستديرة، بل هي أزمة وعي. هناك بون شاسع بين مشجع حقيقي يحتفظ بهامش من العقل والحقيقة، وبين متعصب أعمى قرر إعادة صياغة الواقع ليناسب أوهامه؛ فيرى الخطأ صوابًا طالما يخدم ألوان فريقه. هذا الكائن المشوّه لم يولد من عدم، بل صُنع بروية في غرف العمليات الافتراضية، حيث مُنح «المنفلتون» و«صنّاع الوهم» ميكروفونات روّجوا من خلالها للأكاذيب، تسيء لسمعة اللعبة.
للأسف، العقل في رياضتنا لا يرحل فجأة، بل يتآكل بالتقسيط؛ يتلاشى حين يصبح تمني سقوط الآخر أشهى من رغبة النجاح، وحين تُنكر البديهيات لمجرد أن المنافس هو من نطق بها.
لطالما كانت الأصوات النشاز موجودة في الهامش، لكن الكارثة الكبرى اليوم هي أن «الهامش» قد ابتلع «المتن»؛ لأن الإعلام الفضائي والمساحات الرقمية شرّعت الأبواب لكل مدلس، فبات الصوت الأكثر جهلًا هو الأعلى نبرة.
في مواجهة هذا الابتذال، تبدو حلول «الحظر المؤقت» أو إغلاق الحسابات كجرعات مسكنة واهية. إن المنظومة التي تعيش اليوم قفزة تاريخية هائلة أمام ناظري العالم، بحاجة إلى مبضع جراح حاسم. فالعبث بصورة البلاد الرياضية من أجل حفنة من المتابعين و«الرتويت» ليس مجرد حماقة عابرة، بل هو خطيئة كبرى تستوجب عقابًا رادعًا.
ولعل الدليل الأبرز على ما نحن فيه من بؤس، هو أن كبرى الأحداث الرياضية تفقد بريقها وسط الضجيج؛ فبينما تدور رحى منافسات إقليمية وقارية كبرى، يغط غالبية الإعلام في سبات عميق، أو ينشغل بجدل عقيم حول مباراة دورية أو تصريح مدرب.
تخيلوا أنه في ظل هذه الفوضى، بدأت دورة الألعاب الآسيوية في اليابان، دون أن يعلم عنها إلا القلة، واليوم تبدأ دورة الخليج، وغالبية إعلامنا في مكان آخر تمامًا، ربما لو لم تتفجر قضية مصعب الجوير، لما اهتموا بالمنتخب، وحتى هذه أخذوها من باب التعصب والنيل من الآخر.
لو نُزعت الألوان من أعين الغوغاء، لرأينا قضية مصعب الجوير كشهادة حية على التآكل الأخلاقي الذي ينهش جسد الرياضة السعودية اليوم.
إن استبعاد لاعب شاب واعد لأسباب انضباطية من معسكر المنتخب قبيل بطولة إقليمية مهمة ككأس الخليج الـ27، كان ينبغي أن يُقرأ كإجراء انضباطي عادي يُحترم فيه مبدأ النظام؛ لكن المنصات الرقمية ومنابر البرامج الحوارية قررت تحويله إلى غنيمة حرب، وبث الكراهية بالجملة، هل بات من الممكن استيعاب أي فوضى نعيش؟
إن ما يتدفق عبر شاشات البرامج الحوارية، أو يتردد صداه في كواليس الفضاء الرقمي عبر منصة «X»، لا يمكن تصنيفه إلا كسقوط جماعي في فخ التعصب المقيت. لسنا هنا بصدد «تعصب تقليدي» يمكن التغاضي عنه كعرض جانبي للعبة، بل نحن أمام تآكل أخلاقي عميق؛ نفق مظلم استُبيحت فيه حتى حرمة الموتى، وصار فيه تزييف الحقائق بدم بارد بضاعة يومية تُقايض بنسب المشاهدة والتفاعل البائس.
هذه ليست مجرد أزمة مستديرة، بل هي أزمة وعي. هناك بون شاسع بين مشجع حقيقي يحتفظ بهامش من العقل والحقيقة، وبين متعصب أعمى قرر إعادة صياغة الواقع ليناسب أوهامه؛ فيرى الخطأ صوابًا طالما يخدم ألوان فريقه. هذا الكائن المشوّه لم يولد من عدم، بل صُنع بروية في غرف العمليات الافتراضية، حيث مُنح «المنفلتون» و«صنّاع الوهم» ميكروفونات روّجوا من خلالها للأكاذيب، تسيء لسمعة اللعبة.
للأسف، العقل في رياضتنا لا يرحل فجأة، بل يتآكل بالتقسيط؛ يتلاشى حين يصبح تمني سقوط الآخر أشهى من رغبة النجاح، وحين تُنكر البديهيات لمجرد أن المنافس هو من نطق بها.
لطالما كانت الأصوات النشاز موجودة في الهامش، لكن الكارثة الكبرى اليوم هي أن «الهامش» قد ابتلع «المتن»؛ لأن الإعلام الفضائي والمساحات الرقمية شرّعت الأبواب لكل مدلس، فبات الصوت الأكثر جهلًا هو الأعلى نبرة.
في مواجهة هذا الابتذال، تبدو حلول «الحظر المؤقت» أو إغلاق الحسابات كجرعات مسكنة واهية. إن المنظومة التي تعيش اليوم قفزة تاريخية هائلة أمام ناظري العالم، بحاجة إلى مبضع جراح حاسم. فالعبث بصورة البلاد الرياضية من أجل حفنة من المتابعين و«الرتويت» ليس مجرد حماقة عابرة، بل هو خطيئة كبرى تستوجب عقابًا رادعًا.
ولعل الدليل الأبرز على ما نحن فيه من بؤس، هو أن كبرى الأحداث الرياضية تفقد بريقها وسط الضجيج؛ فبينما تدور رحى منافسات إقليمية وقارية كبرى، يغط غالبية الإعلام في سبات عميق، أو ينشغل بجدل عقيم حول مباراة دورية أو تصريح مدرب.
تخيلوا أنه في ظل هذه الفوضى، بدأت دورة الألعاب الآسيوية في اليابان، دون أن يعلم عنها إلا القلة، واليوم تبدأ دورة الخليج، وغالبية إعلامنا في مكان آخر تمامًا، ربما لو لم تتفجر قضية مصعب الجوير، لما اهتموا بالمنتخب، وحتى هذه أخذوها من باب التعصب والنيل من الآخر.
لو نُزعت الألوان من أعين الغوغاء، لرأينا قضية مصعب الجوير كشهادة حية على التآكل الأخلاقي الذي ينهش جسد الرياضة السعودية اليوم.
إن استبعاد لاعب شاب واعد لأسباب انضباطية من معسكر المنتخب قبيل بطولة إقليمية مهمة ككأس الخليج الـ27، كان ينبغي أن يُقرأ كإجراء انضباطي عادي يُحترم فيه مبدأ النظام؛ لكن المنصات الرقمية ومنابر البرامج الحوارية قررت تحويله إلى غنيمة حرب، وبث الكراهية بالجملة، هل بات من الممكن استيعاب أي فوضى نعيش؟