د. إبراهيم بكري
الهدوء.. قوة لا تحتاج إلى ضجيج
2026-09-25
الرياضة بوصفها علمًا لا تختلف عن العلوم الإنسانية الأخرى من ناحية ارتباطها بالنظريات العلمية، التي تسهم في تطورها وتجويد عملها.
ومن أجل ضمان مواكبة الرياضة السعودية، من الناحية الإدارية، المجالات الأخرى، التي تميَّزت بنجاحاتها، يجب أن نؤمن بأهمية القيادة الرياضية في المنظمات على مختلف الأصعدة، من وزارة الرياضة إلى الأندية الرياضية.
سأخصِّص هذه الزاوية كل يوم جمعة لتسليط الضوء على علم الإدارة الرياضية وقيادة المنظمات الرياضية.
واليوم سأتحدث عن ملخص كتاب «الهدوء: قوة الانطوائيين في عالم لا يتوقف عن الكلام» للكاتبة سوزان كين، الذي يناقش فكرة مهمة: هل يحتاج الإنسان إلى أن يكون كثير الكلام والحضور حتى يكون مؤثرًا وناجحًا؟
توضح كين أن المجتمع يميل أحيانًا إلى تقدير الشخص الاجتماعي والجريء وصاحب الحضور المرتفع، بينما قد يتم تجاهل قيمة الأشخاص الأكثر هدوءًا، رغم أن لديهم قدرات مهمة في الاستماع، والتفكير، والتحليل، والتركيز.
ولا يعني الهدوء، كما يوضح الكتاب، ضعف الشخصية أو عدم القدرة على القيادة، كما أن الانطواء لا يعني عدم القدرة على النجاح. فهناك أشخاص يفضلون التفكير قبل الحديث، والعمل في بيئة هادئة، وبناء علاقاتهم بصورة أكثر عمقًا.
وهنا تظهر أهمية الفكرة في الإدارة الرياضية؛ فالقائد الرياضي لا يحتاج إلى أن يكون الأعلى صوتًا في غرفة الاجتماعات، وإنما يحتاج إلى أن يكون قادرًا على الاستماع إلى مدربيه وموظفيه ولاعبيه، وتحليل المعلومات، ثم اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وفي الأندية الرياضية، قد تكون بعض أفضل الأفكار موجودة لدى موظف لا يتحدث كثيرًا في الاجتماعات. لذلك فإن القائد الذي يتيح للجميع فرصة التعبير، ولا يجعل قوة الصوت معيارًا لقوة الفكرة، يستطيع الاستفادة من قدرات فريقه بصورة أكبر.
أما في المجال الفني، فإن الهدوء قد يكون جزءًا من صناعة القرار. فالمدرب يحتاج إلى قراءة المباراة، وتحليل تحركات اللاعبين، ومراجعة الأخطاء، قبل أن يتخذ قراره. واللاعب كذلك يحتاج في لحظات الضغط إلى القدرة على التحكم في ردود أفعاله والتركيز على المهمة.
كما أن الجماهير الرياضية اعتادت أحيانًا على قياس القائد من خلال ظهوره الإعلامي وكثرة تصريحاته، بينما قد تكون القيادة الحقيقية في القرارات الهادئة التي لا تحظى بالضجيج الإعلامي، ولكنها تصنع الفارق على المدى الطويل.
ولا يعني ذلك أن الهدوء أفضل في كل المواقف، فالمؤسسات الرياضية تحتاج أيضًا إلى شخصيات اجتماعية وقادرة على التواصل والتحفيز. الفكرة الأساسية في الكتاب هي معرفة طبيعة الشخص وقدراته، وعدم إجباره على تقليد نمط واحد من القيادة.

لا يبقى إلا أن أقول:
في الرياضة، كما في الحياة، ليس كل تأثير يحتاج إلى صوت مرتفع؛ فبعض القرارات الكبيرة تبدأ من لحظة صمت، وبعض القادة يصنعون تأثيرهم من خلال الاستماع أكثر من الكلام، ومن خلال التفكير قبل اتخاذ القرار.
القيادة الرياضية الناجحة ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في القدرة على فهم الموقف، والاستماع للآخرين، وقراءة التفاصيل، ثم اتخاذ القرار الذي يخدم المنظمة.
هنا يتوقف نبض قلمي وألقاك بصحيفتنا «الرياضية» وأنت كما أنت جميل بروحك وشكرًا لك.