تركي السهلي
معارك رونالدو
2026-10-05
الهوُيّة الطويلة أقوى من التجربة الصلبة. وصناعة الاسم أصعب بكثير من الإبقاء على المنهج. وفهم الذات أكبر من مُلاحقة الصوة الشخصيّة. معركة جورجي جيسوس مع كريستيانو رونالدو سيخسرها لا محالة الرجل الأبيض. فاللاعب الذي زرع الحقول في البرتغال لن يترك القطفة الأخيرة لمدرّب عجوز. والخطوة الأولى التي بدأها «كريس» في جزيرة ماديرا من الفقر والعوز، لن يجعلها تتوقف عند أبواب لشبونة. القصّة لم تنته بعد. صحيحٌ أنّ الحرب أُغلنت، وأُبعد النجم الكبير من معسكر المنتخب الأول، وسُحِب قميصه العالمي، وأُعطي للاعب غيره. لكن، الظهر الذي طالما وقف عليه الرقم سبعة، لن يحدودب من موقف بديل. إنّها الحسابات الخاطئة، وتوهّم القوّة. أحيانًا، يظنّ أشخاص أن مجرّد الجلوس على مقعد كبير يمنحه ضخامة فوق مستوى الحجم.
ورونالدو مثل «ماديرا» قاد إليها الاكتشاف، وطيور البحر التي دلّت على الحياة، حينما راقب البحّارة حركتها في السماء. وعرفت أوروبا بأكملها الشاب الوسيم الذي يضرب الكُرة بقوّة الموج فوق الصخور، فكتب القصّة التي عرفتها القارّة على مدى عقدين وأكثر. وجيسوس لن يكون سوى مُغامر في زمن متأخّر. والأساطير لا يهدم بُنيانها ادّعاء مُعلن.
إنّ السُلطة مسؤولية، لا إلغاء آخر. والإدارة بالذكاء، لا بالخبرة. والعُمق الفكري لا يتطلّب التمسّك بالبديهيّة. وإشغال الناس بمعنى الفهم يُسقط الفهم ذاته. والاستدارة عن الشمس لا تعني غياب النور.
لقد أعطى رونالدو الكلمات المطلوبة لتكتمل الجُمَل. وتعامل مع كُرة القدم كما يتعامل العارف بوجهات المسير. وهو يُمارس اللّعبة دون إغفال القوانين. ولديه المقدرة على تناول الأشياء دون أن يختلّ توازنه قبل الامتلاك. والفرصة التي تلوح تحتاج إلى عقل. وكُل شيءٍ له أوان. لقد صمد كريستيانو طوال هذه السنين ليس بفضل قدميه، أو جسده المُكتمل. لقد كان في معاركه أكبر من النهايات التي يختارها له غيره. هو، وحده، من اختار الطريق الطويل. وهو، وفي وجود العالم كُلّه، سيُعلن القرار. إنّ الرؤية الواضحة تأخذ مالكها إلى البصيرة المُمتدّة، وتمنحه سلطة القرار. ولا أحد يعلم متى يُنهي رونالدو معاركه مع ذاته.