العويس.. «صقر» قهر المستحيل

الدمام ـ خالد الشايع 2026.10.07 | 04:48 pm

في عالم كرة القدم، لا تُقاس عظمة الحراس بعدد البطولات فحسب، بل بالمسافات التي يقطعونها صعودًا وهبوطًا، والقدرة على الانتفاض من تحت الرماد، قصة محمد العويس، أفضل لاعب في الخليج، ليسن مجرد رصد لمسيرة رياضي، بل هي التجسيد الحي لروح التحدي التي عاشها حارس مرمى المنتخب السعودي، في رحلة درامية جمعت بين المجد، الصدمات، والتحولات الإعجازية.
بدأت الحكاية من القواعد الفتية للكرة السعودية، وتحديدًا في الفئات السنية لنادي الشباب، هناك، بدأت موهبة العويس في التبلور، حارس ذو ردود أفعال سريعة، وبنية جسدية مثالية لحماية العرين.. تدرج سريعًا حتى وصل للفريق الأول، ليقود الليث للظفر بكأس الملك وبطولة السوبر 2014، معلنًا عن ولادة نسر جديد يحلق في سماء الحراسة السعودية.
ولأن الموهبة الاستثنائية تجذب الأنظار دائمًا، انتقل العويس في صيف 2017 إلى النادي الأهلي في صفقة أثارت جدلًا واسعًا وضجة إعلامية كبرى، في جدة، فرض العويس سطوته، ارتدى شعار «الراقي» وحصل على جائزة أفضل حارس في الدوري بموسمه الأول، وأصبح صمام الأمان والركيزة الأساسية لحراسة المنتخب السعودي الأول في كبرى المحافل القارية والدولية.
مع مطلع 2022، قاد الطموح العويس للانضمام إلى عملاق القارة، نادي الهلال، وهنا بدأ فصل جديد من حياة العملاق، فصل توجه بمباراة ملحمية على أرض لوسيل.



إذا كان للملحمة الكروية السعودية عنوان واحد في نهائيات كأس العالم قطر 2022، فهو بلا شك الأداء الإعجازي الذي قدمه محمد العويس على أرضية ملعب لوسيل في الحادي والعشرين من نوفمبر 2022، عندما قاد الأخضر لصناعة كبرى مفاجآت المونديال بالفوز التاريخي على الأرجنتين «2ـ1».
في ذلك المساء التاريخي، لم يكن العويس مجرد حارس مرمى، بل تحول إلى سد منيع تحطمت عليه كافة آمال هجوم «التانجو» الذين يقودهم أفضل لاعب في التاريخ، ليونيل ميسي.. واجه العويس ترسانة هجومية مرعبة يقودها الأسطورة ميسي، وأنخيل دي ماريا، ولاوتارو مارتينيز. وعلى الرغم من استقباله هدفًا مبكرًا من ركلة جزاء نفذها ميسي، إلا أن تلك اللحظة كانت نقطة الانطلاق لليلة خيالية صنفها «فيفا» كواحدة من أعظم عروض حراسة المرمى في تاريخ المونديال.
وقف العويس وجهًا لوجه أمام انفرادات صريحة، وحرم ميسي ودي ماريا من أهداف محققة في الشوط الثاني عبر ردود أفعال خارقة وتصديات طائرة على خط المرمى، قطع العويس كافة الكرات العرضية في الدقائق الأخيرة المجنونة من المباراة، وكان يخرج بثقة لا متناهية لقطع الكرات من فوق رؤوس المهاجمين، في لقطات حبست أنفاس الملايين.
بعد المباراة التاريخية نال العويس إشادة دولية واسعة من مختلف وسائل الإعلام العالمية، وتُوج رسميًا بجائزة أفضل لاعب في المباراة اعترافًا بدوره المحوري في تأمين الانتصار التاريخي للأخضر ومنع الأرجنتين من العودة للمباراة.
لقد كانت تلك التسعون دقيقة كفيلة بأن تخلّد اسم محمد العويس في سجلات الذاكرة العالمية، كالحارس الذي قهر أبطال العالم وكتب فصلًا استثنائيًا بكبرياء وروح قتالية عالية، ولكن كان هناك شيء آخر ينتظر العويس في المستقبل.
بعد عودته للهلال، ضل العويس حارسًا بديلًا لعبد الله المعيوف، وهو أمر كان يمكن أن يتقبله الحارس الطموح، كان المعيوف على وشك الاعتزال، ولكن بعد أن تعاقدت إدارة الهلال مع العملاق المغربي ياسين بونو، بدا واضحًا للعويس أنه لن يكون الحارس الأول، ومع أنه حقق مع «الزعيم» ستة ألقاب محلية، من بينها لقبان لدوري «روشن» وكأس الملك، إلا أن الأقدار وضعت أمامه تحديًا من نوع آخر، إذ وجد نفسه حارسًا بديلًا للنجم المغربي الدولي ياسين بونو، بالنسبة لحارس متعطش للعب بصفة مستمرة، كان البقاء على مقاعد البدلاء بمثابة قيد يخنق طموحه الدولي قبل نهائيات كأس العالم، طوال عقده السابق لم يلعب العويس سوى 20 مباراة فقط، خرج من 12 منها بشباك نظيفة، وكان عليه أن يفكر في مستقبله، إما أن ألعب وأبقى في المنتخب، أو أرضى بالظل والاكتفاء بمجد لوسيل.



اتخذ العويس قرارًا صدم الوسط الرياضي بأكمله، فضّل الرحيل عن دكة الهلال وبطولاته، والبحث عن اللعب بصفة منتظمة، ليوقع عقدًا حرًا مع نادي العلا الناشط في دوري الدرجة الأولى مطلع 2025.
من منظور كروي، اعتبر الكثيرون هذا القرار بمثابة انتحار فني، فكيف لحارس المونديال أن ينزل إلى دوري المظاليم؟ ووفقًا للعرف الفني، فمن الطبيعي جدًا ألا تعتمد الأجهزة الفنية للمنتخبات الوطنية على حارس يلعب في دوري الدرجة الأولى، شارك العويس بصفة أساسية في 34 مباراة مع العلا، بينما راح المنتخب يجرب حراسًا ثانٍ وثالث وسلسلة من الأسماء المحلية لسد الفراغ، لكن الصدمة كانت واضحة للجميع كشفت أربعة أهداف تلقاها المنتخب السعودي من مصر تجريبيًا أنه لا أحد استطاع ملء هذا العرين المخيف وتقديم الأمان الكافي للأخضر سوى العويس.
في لحظة حاسمة، اضطر الجهاز الفني للمنتخب للرضوخ للمنطق والعودة للاستعانة بمحمد العويس وهو لا يزال لاعبًا في الدرجة الأولى! وفجأة.. تحول هذا الحارس من اللعب في ملاعب دوري الأولى الهادئة ليقف شامخًا يذود عن مرمى وطنه في المعترك الأكبر على كوكب الأرض، كأس العالم مرة أخرى.
قدم العويس مستويات إعجازية وتصديات خيالية أمام عمالقة اللعبة مثل أوروجواي، مبرهنًا للجميع أنه لا يزال حارس السعودية الأول والقادر على العطاء في أعلى المستويات.
عقب هذا الكبرياء المونديالي المذهل، أنهى العويس عقده بالتراضي ليعود مرفوع الرأس مجددًا لبيته الأزرق نادي الهلال.. ولم يتوقف قطار المجد هنا، بل طار مع الأخضر إلى بطولة كأس الخليج «خليجي 27» ليقدم بطولة للتاريخ.
ذاد العويس عن شباكه كالمجنون وحقق رقمًا تاريخيًا بالحفاظ على نظافة شباكه طوال منافسات البطولة دون استقبال أي هدف، ليقود السعودية للتتويج باللقب الغالي ويحصد جائزة أفضل حارس في الخليج.
حكاية محمد العويس، ليست مجرد مسيرة عادية، بل هي قصة تحول غير طبيعية، أن تبدأ عظيمًا في الشباب والأهلي، ثم يربكك دكة الهلال، لتجبرك الظروف على النزول للأرض مع العلا، ثم يشاء القدر أن تنتفض وتعود مجددًا للتحليق في عنان السماء كطائر عنقاء بُعث من رماده.. ولكن هذه المرة حلق لنقطة أعلى بكثير وبشباك ذهبية عذراء.
اليوم، يقف محمد العويس في قمة مجده، مؤكدًا بالدليل القاطع أنه أحد أعظم الحراس الذين أنجبتهم الملاعب في تاريخ كرة القدم السعودية.


Google News تابع آخر أخبار الرياضية على Google News