عيد الثقيل
ماذا تغيّر في الأخضر؟
2026-10-08
في كرة القدم، أحيانًا لا تحتاج إلى تغيير الفريق حتى تحصل على فريق مختلف. وهذا ربما يكون أكثر ما يستحق التوقف عنده بعد تتويج المنتخب السعودي بكأس الخليج، لأن المنتخب الذي احتفل باللقب لم يكن مجموعة جديدة تمامًا، ولم تكن البطولة قائمة على أسماء لم نعرفها من قبل، بل كان في معظمه امتدادًا لذلك المنتخب الذي خاض طريق التأهل إلى كأس العالم عبر الملحق، ثم ذهب إلى المونديال وقدم مستويات لم تكن بحجم التطلعات.
الأسماء لم تتغير كثيرًا، لكن شيئًا في الصورة تغيّر. في الخليج شاهدنا منتخبًا أكثر حيوية وإصرارًا، وأكثر قدرة على التعامل مع تفاصيل المباريات. شاهدنا لاعبين يقاتلون على كل كرة، ويركضون حتى اللحظة الأخيرة، وفريقًا لا ينتظر أن تأتيه المباراة، بل يذهب إليها. والأهم أننا شاهدنا مجموعة تتصرف وكأن لديها هدفًا واضحًا لا تريد أن تفرط فيه.
ولهذا لا تبدو لي محاولات تفسير هذا التحول من خلال اسم واحد مقنعة. ليس غياب سالم الدوسري وحده هو القصة، ولا وجود فهد المفرج، ولا حتى جورجيوس دونيس وحده. ما حدث، في رأيي، أن ثلاثة عناصر اجتمعت في التوقيت نفسه، وكل عنصر منها أكمل الآخر.
دونيس مدرب يعرف اللاعب السعودي جيدًا، ويعرف الدوري وتفاصيله، ويملك خبرة طويلة وحاضرة في كرة القدم السعودية، وعاش مراحل التغيير التي مرت بها اللعبة خلال السنوات الماضية. وهذه المعرفة لا تمنحه فقط القدرة على قراءة المباراة، وإنما تمنحه فهمًا أعمق للاعب والبيئة والمنافسة وما يمكن أن يخرج من هذه المجموعة.
وفي المقابل، جاء فهد المفرج بخبرة مختلفة لكنها لا تقل أهمية؛ رجل تشرب كرة القدم لاعبًا وإداريًا، وعاش سنوات طويلة في منظومة كان ناديه خلالها عنوانًا للاحتراف والبحث عن البطولات. عاش التحولات من داخل الملعب وخارجه، ويعرف كيف تعمل المنظومات، وماذا تحتاج المجموعة عندما تكون داخل منافسة تبحث فيها عن الإنجاز.
ثم يأتي اللاعبون، وهم في النهاية أصحاب الكلمة داخل الملعب. وهنا تحديدًا توجد الحلقة التي يصعب تفسيرها بالأرقام أو التصريحات. لا أعرف ما الذي قيل لهم، ولا ما الذي حفزهم، ولا ما الذي تغير داخلهم، لكن ما رأيناه كان واضحًا. لاعبون قدموا أكثر، قاتلوا أكثر، وتحملوا أكثر، وكأن كل مباراة كانت تعني لهم شيئًا أكبر من مجرد ثلاث نقاط أو عبور إلى الدور التالي.
كانوا يريدون الذهب. وهذه الرغبة لا يستطيع مدرب أن يصنعها وحده، ولا مدير تنفيذي أن يفرضها، ولا لاعب واحد أن يمنحها للمجموعة. لكنها عندما تجتمع مع مدرب يعرف اللاعبين، وإدارة تفهم كرة القدم، وبيئة تمنح المجموعة وضوحًا وثقة، يمكن أن تنتج منتخبًا مختلفًا حتى لو بقيت معظم الأسماء كما هي.
ولذلك فإن بطولة الخليج ربما كشفت لنا شيئًا أهم من مجرد منتخب توج باللقب. كشفت أن المشكلة لم تكن بالضرورة في الأسماء، وأن اللاعب الذي ظهر بصورة عادية في مرحلة يمكن أن يظهر بصورة مختلفة تمامًا في مرحلة أخرى. والمنتخب الذي عانى من غياب الشخصية في مباريات سابقة يمكن أن يدخل بطولة أخرى بشخصية البطل دون أن يتغير نصف قائمته.
وهذا يجعل المقارنة مع المنتخب الذي تأهل للمونديال ثم ظهر فيه بمستويات باهتة أمرًا يستحق التأمل. ما الذي كان ينقصه وقتها؟ هل كانت المشكلة في الاستقرار؟ في وضوح الأدوار؟ في الثقة؟ في طريقة إدارة المجموعة؟ أم أن المسألة، كما تبدو اليوم، لم تكن مرتبطة بعامل واحد أصلًا؟
ربما تكون الإجابة في اجتماع التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في قائمة اللاعبين ولا في التشكيل الأساسي. مدرب يعرف، ومدير يفهم، ولاعبون يؤمنون ويقاتلون. ثلاثة عناصر اجتمعت هذه المرة، فظهر المنتخب بالصورة التي انتظرها منه الجمهور طويلًا.
ولهذا لا أرى أن علينا أن نبحث عن بطل واحد لهذه القصة، كما لا نحتاج إلى متهم واحد لما حدث سابقًا. كرة القدم أكثر تعقيدًا من ذلك.
فربما لم يكن المنتخب السعودي بحاجة إلى أسماء جديدة بقدر حاجته إلى أن تجتمع الظروف الصحيحة حول الأسماء الموجودة.
وعندما حدث ذلك، رأينا منتخبًا يلعب كما يستطيع ويتوج كما يريد.