خالد الربيعان
الطوفان و1000 هدف
2026-10-11
لم أكن يومًا من الذين ينكرون قيمة كريستيانو رونالدو، بل كتبت عنه كثيرًا، وأشرت إلى قيمته الرياضية والتسويقية، وإلى قدرته على نقل اسم الدوري السعودي إلى مساحات عالمية لم يكن الوصول إليها بهذه السهولة. رونالدو أسطورة كروية، وعلامة تجارية ضخمة، واسم قادر على صناعة الحدث بمجرد ظهوره. لكن المشكلة أن الأسطورة لا تُعفى من النقد، والنجومية لا تمنح صاحبها حصانة من المساءلة، مهما بلغ رصيده من الأهداف والبطولات.

ما يحدث اليوم يطرح سؤالًا مهمًا: هل أصبح الوصول إلى الهدف 1000 مشروعًا شخصيًا كالطوفان ينسف كل شيء أمامه، حتى على مصلحة الفريق وصورة اللاعب نفسه؟ لا خلاف على أن تسجيل 1000 هدف إنجاز تاريخي، وربما يكون رقمًا استثنائيًا يصعب تكراره، لكن كرة القدم ليست دفترًا للإحصاءات الفردية، ولا يمكن اختزال قيمة لاعب بحجم رونالدو في رقم يطارده قبل نهاية مسيرته. فالأهداف التي تصنع المجد هي تلك التي تقود إلى الانتصارات والبطولات، لا تلك التي تجعل كل مباراة مناسبة للاقتراب من رقم شخصي، وكأن الفريق كله مطالب قسرًا بأن يكون جزءًا من رحلة لاعب نحو إنجازه الأخير.

المشكلة ليست في أن يطمح رونالدو إلى الهدف 1000، بل في الطريقة التي يبدو بها هذا الطموح أحيانًا، وفي الانطباع الذي يتكون لدى المتابع عندما تتقدم لغة الأرقام الفردية على لغة الفريق.

وما يزيد المشهد حساسية أن هذه التصرفات لا تأتي من لاعب عادي، بل من نجم يعرف جيدًا حجم تأثيره، ويملك من الخبرة ما يكفي لإدراك أن كل حركة محسوبة، وأن كل انفعال يتحول إلى مادة إعلامية تتناقلها المنصات حول العالم. ما يبدو تفصيلًا عابرًا داخل الملعب قد يتحول خلال دقائق إلى عنوان عالمي، وما يراه البعض حماسًا أو غضبًا قد يراه آخرون استعلاءً على الفريق أو اعتراضًا على سلطة المدرب أو الحكم.

ولعل ما حدث في معسكر المنتخب البرتغالي أخيرًا، بعد مغادرة رونالدو المعسكر إثر خلاف بشأن دوره في المباريات، أعاد فتح النقاش حول قدرة النجم الكبير على تقبل تغير موقعه مع تقدم العمر الكبير وتبدل الأدوار.

نعم مصلحة المنتخب قد تفرض عليه الجلوس على مقاعد البدلاء؟ المنتخب الوطني ليس عقدًا تجاريًا يمنح صاحبه حق المشاركة، ولا التاريخ وحده يضمن مكانًا في التشكيلة. المعيار يجب أن يكون العطاء والجاهزية والقدرة على خدمة المجموعة وحب الوطن.

أما ما يتردد عن انفعالات رونالدو واحتكاكاته مع الحكام، ومنها ما أُثير بشأن مباراة الدرعية، وما يستحضره المتابعون من مواقف سابقة أمام الهلال في الإمارات، فإنها تفتح بابًا آخر للنقاش حول حدود الانفعال المقبول من نجم بهذا الحجم.

الاعتراض على القرارات جزء من اللعبة، لكنهما لا يبرران أي تصرف يتجاوز حدود الاحترام أو يضع هيبة المنافسة والحكام موضع اختبار. وإذا كانت هناك تصرفات تستحق التحقيق أو العقوبة، فالمعيار يجب أن يكون واحدًا على الجميع، بلا استثناءات بسبب الاسم أو الشهرة.

نحن لا نتحدث عن لاعب يرتدي قميص نادٍ فحسب، بل عن اسم عالمي ارتبط في أذهان الملايين بمشروع تطوير كرة القدم السعودية. لقد استفادت المسابقة من حضوره، واستفادت الأندية من الزخم الإعلامي الذي صنعه، واستفادت السعودية من الاهتمام العالمي المتزايد بالدوري. لكن هذه القيمة ليست ضمانًا أبديًا، ولا تعني أن كل تصرف سيُفسر لمصلحة اللاعب أو لمصلحة المشروع الذي يمثله.

في صناعة الرياضة، السمعة أصل اقتصادي، مثلها مثل حقوق النقل والرعاية والإعلانات وبيع المنتجات. النجم يجذب الجمهور والمعلن والناقل، لكنه يستطيع أيضًا أن يضع المنظومة كلها أمام أزمة لا تحتاج إليها. فالشركات لا تشتري الأهداف وحدها، بل تشتري الصورة والموثوقية والارتباط الإيجابي بالجمهور. والجماهير العالمية لا تتابع المباريات فقط، بل تراقب سلوك النجوم، وتقارن بين ما يقولونه وما يفعلونه، ثم تبني مواقفها على ما تراه.

ورونالدو تحديدًا يملك قيمة تجارية هائلة، لكن القيمة التجارية ليست حصانة من الضرر، بل ربما تجعل تكلفة الخطأ أكبر. فكلما اتسع حضور النجم، اتسعت دائرة التأثير السلبي لأي أزمة. وإذا تكررت المشكلات وأصبحت جزءًا من سردية إعلامية عالمية عنه، فقد تتحول التغطية من الحديث عن أهدافه وأرقامه إلى الحديث عن أنانيته وخلافاته وانفعالاته.

ولا يعني ذلك أن العالم سيحمل السعودية مسؤولية كل تصرف يصدر من رونالدو، لكن من السذاجة تجاهل العلاقة بين صورة النجم وصورة المشروع الذي ارتبط به. فالإعلام الدولي لا يفصل دائمًا بين الحدث وصورته الأوسع، والمنافسون والجمهور لا يترددون في استثمار الأخطاء.

الهدف 1000 سيأتي، أو قد لا يأتي، لكن التاريخ لن يتوقف عند الرقم وحده. سيتذكر الناس أيضًا كيف تعامل رونالدو مع زملائه، وكيف احترم المدربين والحكام، وكيف واجه اللحظة التي لم يعد فيها اللاعب الأول في كل قرار وكل مباراة، وربما تكون هذه الاختبارات أصعب من تسجيل عشرات الأهداف.

أما الكرة السعودية، فعليها أن تتعامل مع رونالدو بوصفه إضافة استثنائية، لا استثناءً من القواعد.

لقد استفادت السعودية من رونالدو، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن المطلوب اليوم ألا تتحول هذه الاستفادة إلى اعتماد مفرط على نجم واحد، وألا تصبح المحافظة على صورته أهم من المحافظة على صورة المنظومة بأكملها.