ألفاريز.. «العنكبوت» المنتقل من هدوء كالشين إلى قمة المجد

الرياض ـ ناصر منصور nasser_mansour7@ 2026.10.13 | 02:20 pm

في بلدة أرجنتينية صغيرة بعيدة عن صخب الملاعب الأوروبية وأضوائها، بدأت حكاية طفل لم يكن يملك سوى كرة القدم حلمًا، وإصرارًا يتجاوز سنوات عمره. هناك، في كالشين بإقليم قرطبة، وُلد خوليان ألفاريز في 31 يناير 2000، قبل أن تتحول خطواته الأولى في ملاعب الحي إلى رحلة استثنائية قادته من ريف الأرجنتين إلى منصات التتويج العالمية، وصولًا إلى ارتداء قميص أتلتيكو مدريد، أحد أبرز أندية إسبانيا.
لم تكن قصة ألفاريز حكاية موهبة ظهرت فجأة، بقدر ما كانت ثمرة شغف مبكر، وعمل متواصل، وقدرة على اغتنام الفرص. ومنذ طفولته، بدا أن كرة القدم ليست مجرد لعبة يمارسها مع أقرانه، بل طريق اختاره لنفسه قبل أن يعرف إلى أين يمكن أن يقوده.
وُلد ألفاريز في أسرة بسيطة، والده جوستافو عمل في الريف قبل انتقاله إلى مجال النقل، فيما عملت والدته ماريانا معلمة في مرحلة رياض الأطفال. ونشأ بين شقيقيه الأكبرين أجوستين ورافائيل، اللذين كانا من أوائل من عرّفوه إلى عالم الكرة، إذ اعتاد مرافقتَهما إلى مدرسة كروية للأطفال تُعرف باسم «فوتوراس إستريليتاس» منذ أن كان في الثانية من عمره.
وفي بلدة لا يتجاوز عدد سكانها بضعة آلاف، لم يكن الطفل بحاجة إلى ملاعب ضخمة أو مدربين مشهورين كي يبدأ رحلته، كانت المساحات المتاحة والكرة كافيتين لإشعال شغفه. وكان مدربه رافائيل فاراس يلاحظ فيه اختلافًا عن أقرانه، ليس بسبب مهاراته وحدها، بل لكونه يواصل التدريب حتى بعد انتهاء الحصص، فيتدرب على التسديد بالقدمين، والكرات العرضية، والركلات الحرة، وضربات الرأس، والانطلاق بالكرة.
وحتى في المدرسة، كان جوابه عن السؤال التقليدي بشأن مستقبله ثابتًا: «يريد أن يصبح لاعب كرة قدم. ومع مرور السنوات، بدأ المحيطون به يدركون أن إصراره ليس مجرد أمنية طفولية، فقد كان يسجل الأهداف بغزارة في الفئات السنية، ويظهر قدرة على قراءة اللعب والتعامل مع المواقف الصعبة، رغم صغر سنه».
ومن بين الذكريات التي بقيت عالقة في أذهان من تابعوا بداياته، تسجيله أربعة أهداف في مباراة انتهت بتقدم فريقه 4ـ0، قبل أن يضيف هدفًا استثنائيًا بلمسة «رابونا» بعد مراوغة مدافعين وتجاوز حارس المرمى. لم يكن ذلك الهدف مجرد استعراض مهاري، بل صورة مبكرة للاعب يحب التجربة ولا يتردد في البحث عن حلول غير تقليدية.
وفي تلك المرحلة، بدأ لقب «العنكبوت» يرافقه، بعدما لاحظ أصدقاؤه أنه يتحرك في كل مكان، ويظهر فجأة في المساحات، ويصعب الإمساك به في ألعاب المطاردة. ومع انتقاله إلى ملاعب الاحتراف، تحول اللقب إلى علامة ارتبطت باسمه في الأرجنتين وخارجها.
الانتقال إلى عالم الاحتراف لم يكن قرارًا سهلًا على فتى ارتبط بعائلته وبلدته. فقد أبدت أندية أرجنتينية عدة اهتمامًا به، من بينها ريفر بليت وبوكا جونيورز، لكن الأسرة لم تتعجل إخراجه من البيئة التي نشأ فيها، وظل حلم الاحتراف يكبر معه حتى اتخذ قراره بالانتقال إلى ريفر بليت عام 2016، وهو في الـ 16.
هناك، بدأت مرحلة جديدة في تكوينه الكروي. انتقل من ملاعب البلدة الهادئة إلى مؤسسة عريقة اعتادت صناعة اللاعبين، وأصبح مطالبًا بالتأقلم مع إيقاع أعلى، ومنافسة أقوى، وضغوط تسبق الوصول إلى الفريق الأول.
وفي 27 أكتوبر 2018، خاض ألفاريز مباراته الأولى مع الفريق الأول تحت قيادة المدرب مارسيلو جاياردو. وبعد أسابيع قليلة، وجد نفسه جزءًا من المجموعة التي توجت بلقب كأس ليبرتادوريس 2018، بعدما شارك بديلًا في الوقت الإضافي من المباراة النهائية أمام بوكا جونيورز، التي احتضنتها مدريد العاصمة الإسبانية.
كانت تلك البداية المبكرة لملامسة المجد القاري، لكنها لم تكن تعني أن طريقه أصبح ممهدًا، فالمهاجم الشاب احتاج إلى دقائق أكثر، وإلى إثبات قدرته على التحول من موهبة واعدة إلى عنصر يعتمد عليه الفريق في المباريات الكبيرة.
وجاء هدفه الرسمي الأول مع ريفر بليت في مارس 2019، لتبدأ ملامح تطوره في الظهور تدريجيًا. ومع مرور الوقت، لم يعد مجرد لاعب شاب ضمن قائمة مليئة بالأسماء الكبيرة، بل تحول إلى مهاجم يستطيع التحرك في العمق وعلى الأطراف، والضغط على المدافعين، والمشاركة في بناء الهجمة، ثم الوصول إلى منطقة الجزاء في التوقيت المناسب.
كان عام 2021 نقطة التحول الكبرى في مسيرة ألفاريز. فقد قدم مع ريفر بليت موسمًا هجوميًا استثنائيًا، تُوّج خلاله هدافًا للدوري الأرجنتيني برصيد 18 هدفًا، ليؤكد أنه تجاوز مرحلة اللاعب الواعد وأصبح مهاجمًا قادرًا على قيادة فريق كبير.
ولم تقتصر مساهماته على التسجيل، إذ أظهر قدرة على صناعة الفرص والتحرك من دون كرة، والمشاركة في الضغط العالي، وهي خصائص جعلته مناسبًا لكرة القدم الحديثة التي لا تكتفي من المهاجم بانتظار الكرة داخل منطقة الجزاء.
وواصل ألفاريز حصد الألقاب مع ريفر بليت، محققًا الدوري الأرجنتيني وكأس البلاد وكأس السوبر وكأس الأبطال، قبل أن تنتهي رحلته مع الفريق بعدما سجل 54 هدفًا وصنع 31 في 122 مباراة، وفق الأرقام التي أعلنها أتلتيكو مدريد عند تقديمه لاعبًا جديدًا في 2024.
لم يعد اسمه محصورًا في الصحافة الأرجنتينية، بل أصبح محل اهتمام أندية أوروبا، التي رأت في اللاعب الشاب مزيجًا من المهارة والسرعة والانضباط التكتيكي والقدرة على اللعب في أكثر من مركز هجومي.
في عام 2022، انتقل ألفاريز إلى مانشستر سيتي الإنجليزي، في خطوة نقلته إلى مستوى مختلف من المنافسة، تحت قيادة الإسباني بيب جوارديولا، أحد أكثر المدربين اهتمامًا بالتفاصيل التكتيكية وتعدد أدوار اللاعبين.
لم تكن مهمته سهلة في فريق يضم أسماء هجومية بارزة، لكن ألفاريز تعامل مع المنافسة بطريقة مختلفة، فلم يكتفِ بدور المهاجم البديل، بل استفاد من قدرته على اللعب خلف رأس الحربة أو إلى جواره، ومن استعداده للضغط ومساندة زملائه في بناء اللعب.
وخلال موسميه مع سيتي، شارك في 103 مباريات، سجل خلالها 36 هدفًا وصنع 18، بحسب بيانات النادي الإسباني عند إعلانه التعاقد معه. كما جمع مجموعة من الألقاب الكبرى، شملت الدوري الإنجليزي الممتاز مرتين، ودوري أبطال أوروبا، وكأس الاتحاد الإنجليزي، وكأس السوبر الأوروبي، وكأس العالم للأندية.
وكان تتويجه بدوري الأبطال في 2023 إحدى المحطات الأبرز في رحلته، إذ أصبح جزءًا من الفريق الذي حقق الثلاثية الإنجليزية، قبل أن يضيف لقب كأس العالم للأندية في العام نفسه، وينهي البطولة هدافًا لها بهدفين.
وبذلك، لم يعد ألفاريز مجرد لاعب انتقل من الأرجنتين بحثًا عن تجربة أوروبية، بل أصبح بطلًا في فريق يضم نخبة من أبرز لاعبي العالم، وامتلك خبرة المباريات النهائية والبطولات التي تتطلب أعلى درجات التركيز.
بالتوازي مع رحلته مع الأندية، كان ألفاريز يشق طريقه نحو المنتخب الأرجنتيني. وخاض مباراته الدولية الأولى مع المنتخب الأول في 3 يونيو 2021، ثم شارك في رحلة التتويج بكوبا أمريكا في الشهر التالي، ليحصل على أول ألقابه الكبرى بقميص بلاده.
وفي عام 2022، أضاف لقب «فيناليسيما» بعد الفوز على إيطاليا، لكن اللحظة التي غيرت مكانته في تاريخ كرة القدم الأرجنتينية جاءت في كأس العالم بقطر.
دخل ألفاريز البطولة ضمن مجموعة من المهاجمين الذين تنافسوا على المراكز الأساسية، لكنه نجح في فرض نفسه تدريجيًا، وأصبح أحد أهم عناصر المنتخب في طريقه إلى المباراة النهائية أمام فرنسا.
وسجل أربعة أهداف في مونديال 2022، وأسهم في رحلة انتهت بتتويج الأرجنتين باللقب العالمي للمرة الثالثة في تاريخها، بعد نهائي تاريخي حسمه رفاق ليونيل ميسي بركلات الترجيح.
ولم يكن تتويجه مجرد إضافة إلى سجله الشخصي، فقد منحه مكانة مختلفة لدى الجماهير الأرجنتينية، وأصبح جزءًا من جيل أعاد الكأس العالمية إلى البلاد بعد انتظار دام 36 عامًا منذ مونديال 1986.
وفي 2024، واصل ألفاريز مسيرته الدولية بالتتويج بكوبا أمريكا للمرة الثانية في تاريخه، ليضيف إنجازًا جديدًا إلى سجل جمع بين المجد القاري والعالمي مع المنتخب، والبطولات المحلية والأوروبية مع الأندية.
في صيف 2024، اختار ألفاريز خوض تجربة جديدة في إسبانيا، بعدما اتفق مانشستر سيتي وأتلتيكو مدريد على انتقاله إلى النادي العاصمي، بعقد يمتد حتى عام 2030.
كان الانتقال بمثابة عودة إلى كرة القدم الإسبانية من بوابة مختلفة، فبعد أن تعلم في إنجلترا أساليب اللعب المتنوعة تحت قيادة جوارديولا، أصبح أمام تحدٍ جديد تحت إشراف مواطنه دييجو سيميوني، المعروف بكرة القدم القائمة على الانضباط والقتال والضغط والتحولات السريعة.
خاض ألفاريز مباراته الرسمية الأولى مع أتلتيكو في 19 أغسطس 2024 أمام فياريال في الدوري الإسباني، ثم سجل ظهوره الأوروبي الأول مع الفريق أمام لايبزيج في دوري الأبطال في سبتمبر من العام ذاته.
وسرعان ما بدأ يترك بصمته، مستفيدًا من قدرته على التحرك بين الخطوط، واللعب مهاجمًا صريحًا أو خلف المهاجم، فضلًا عن مساهمته في الضغط على المنافسين. وفي مارس 2026، وصل إلى مباراته رقم 100 بقميص أتلتيكو مدريد، خلال مواجهة توتنام هوتسبير في دوري الأبطال، وكان قد سجل 46 هدفًا وصنع 16 في تلك المرحلة، وفق إعلان النادي.
وهكذا، انتقل «العنكبوت» من مرحلة إثبات الذات في ريفر بليت إلى المنافسة على الألقاب في مانشستر سيتي، ثم إلى قيادة الخط الأمامي لأتلتيكو مدريد، باحثًا عن كتابة فصل جديد في مسيرة لم تتوقف محطاتها الكبرى عند سن مبكرة.


Google News تابع آخر أخبار الرياضية على Google News