ميسي.. طفلان يبحثان عن الحزن في طرفي المحيط

الرياض ـ محمد الفهيد 2026.10.13 | 11:01 pm

الأمنية التي لم تتحقق كمن يحاول أن يخلع الحزن عن رجلٍ بخلع قميصه، تمنى طفل إسباني لو أن ميسي اختار إسبانيا.
كان يرى أنَّ الأرجنتين لا تستحقه، وأن الرجل الذي يعرف كيف يُفرح كل هؤلاء الناس، يستحق أن يجد بينهم من يعرف كيف يترك له قليلًا من الفرح.
كانت المسألة في قلبه الصغير أبسط من كل ما يقوله الكبار، هناك رجل يحبه، يعود من منتخب بلاده حزينًا، ثم يطالبه الناس بأن يعتذر عن الحزن الذي أصابهم، كان عليه أن يحمل هزيمتهم إلى بيته، ويترك هزيمته عند الباب، فلا أحد لديه متسع ليسأله: وأنت، كيف حالك؟
وعلى الضفة الأخرى من المحيط، كان طفل أرجنتيني يتمنى الأمنية نفسها، ولكن من مكان أشد وجعًا، يتمنى لو أن ميسي قَبِلَ أن يلعب لإسبانيا.. كان ذلك الطفل يحاول أن ينقذ ميسي من الأرجنتين، كلما رآه يغرق في دموعها.
فهم، منذ أن أطلقوا عليه لقب «الطفل المعجزة»، ظنوا أن عليه أن يحمل معجزته معه أينما ذهب وأن ينتصر بها وحده، حتى لو ترك بقية اللاعبين أقدامهم خارج الملعب كانوا يقارنون ما يفعله مع برشلونة بما يعجز عن فعله مع الأرجنتين، دون أن يسألوا أنفسهم عما يفعله الآخرون معه في الفريقين، وكأنهم أرادوا منه أن يكون أحد عشر لاعبًا في قميص واحد، ثم لاموه لأنه لم يجد متسعًا في قدميه لكل تلك الأحذية.
لم يكن يريد أن ينتقل الرجل من منتخب إلى آخر فحسب، بل كان مستعدًا لأن يضع في حقيبته كل تلك الأهداف التي حلم أن يراها بقميص بلاده، والبطولات التي انتظرها، والأفراح التي ظل يخبئ لها مكانًا في طفولته، ثم يغلق الحقيبة بيديه، ويطلب منه أن يغادر.
كان مستعدًا لأن يرى إسبانيا تحتفل به، وأن يقف هو في الجانب الآخر من الملعب يصفق لها، ولو اضطر إلى أن يشاهد ميسي يسجل هدفًا في مرمى الأرجنتين، يحزن لأن بلاده خسرت، ويفرح لأن الرجل الذي يحبه انتصر.
ولعل أقسى ما يمكن أن يفعله طفل يحب كرة القدم، أن يتنازل عن اللاعب الذي يحبه لمنتخب آخر، لا لأنه لم يعد يؤمن بأنه قادر على إسعاده، بل لأنه لم يعد يحتمل أن يراه حزينًا.
أحاول أن أتخيل حجم الحب الذي يجعل طفلًا يتنازل عن ميسي، يضعه، بكل أهدافه ومراوغاته والأشياء التي لم يفعلها بعد، في يد بلد آخر، ثم لا يطلب في المقابل سوى أن يحسنوا معاملته.
ولم يكن الطفل الإسباني أقل استعدادًا للتنازل عن شيءٍ من قلبه، فلم يكن يريد ميسي لإسبانيا بقدر ما كان يريد إسبانيا لميسي، ولو وجد سعادته مع الأرجنتين، لذهب بقلبه إليها، كما كان الأرجنتيني مستعدًا لأن يذهب بقلبه إلى إسبانيا.
لم يكن أي منهما يبحث عن وطن يستحق «الطفل المعجزة»، بل عن وطن يسحق فيه ميسي وصفه بالعاجز.
كان الكبار يحصون ما لم يفعله ميسي، فيما كان الصغيران يحاولان أن يحمياه مما يفعل به.
فالهزيمة، على اتساع الملعب وكثرة الذين يركضون فيه، كانت تعرف طريقًا قصيرًا إلى اسمه، يخطئ أحدهم، ويغيب آخر، وتضيع فرصة، ثم يُطوى الملعب كله حتى يصير بحجم كتفيه، ويُطلب منه أن يحمله ويمضي.
وفي كل مرة، كان القميص يزداد ثقلًا، حتى خُيّل للطفلين أن تبديله يكفي كي يستقيم ظهر الرجل من جديد.
لكن ميسي كان يريد هذا القميص نفسه.
ربما كان يعرف أن في إسبانيا من سيحبه، وأنَّ طريقًا آخر كان يمكن أن يمنحه فرحًا أقل كلفة. غير أن أمنيته كانت أقدم من حزنه، فقد حلم بالأرجنتين قبل أن يعرف ما الذي يمكن أن تفعله به الخسارة معها. وحين تمنى الطفلان أن ينقذاه من ذلك الحلم، كان هو لا يزال يحاول إنقاذ الحلم من نهايته.
كبر الطفلان..
تغيرت ملامحهما، وضاقت بهما قمصان الطفولة، وأصبحت لديهما حكايات تخصهما. وربما احتفظ كل واحد منهما، في مكان لا ينتبه إليه بأمنية قديمة لرجل ما زال يرتدي القميص نفسه.
ثم جاءت تلك الليلة في قطر، وارتفعت كأس العالم بين يديه..
أكاد أراهما يعودان طفلين أمام الشاشة، يتقدمان نحوها، كأن المسافة التي عجزا عن عبورها لمواساته، يمكن أن تعبر الآن لمشاركته الفرح. يضحك الرجل، ويضحكان معه، ثم تزدحم خلف صورته وجوهه القديمة، وجه بعد نهائي خسره، وآخر بعد فرصة ضاعت، ووجه ظن يومًا أنه فعل كل ما يستطيع، وأن ما يستطيع لا يكفي.
كل تلك الوجوه وصلت معه..
ولهذا بدت الكأس، وهي بين يديه، أكبر مما كانت عليه قبل أن يلمسها، كان الذهب ظاهرًا للجميع أما الطفلان فكان بوسعهما أن يريا ما يحمله معه السنوات التي تمنيا حذفها من عمره، والليالي التي أرادا إطفاء الشاشة فيها قبل أن تقترب الكاميرا من وجهه.
أتساءل اليوم لو استطاعا العودة إلى طفولتهما، هل سيختاران لميسي الطريق نفسه؟ هل سيضع الإسباني القميص الأحمر بين يديه، وهل سيظل الأرجنتيني مستعدًا لأن يدله على الطريق إلى بلد آخر؟
ربما كان ميسي سيفوز مع إسبانيا. ربما كان سيفوز أبكر، ويبكي أقل. لكن كيف كانا سيجدان في تلك الفرحة كل هذا العمر؟
حتى في السينما، لا نريد للبطل الذي نحبه أن يهزم نغضب كلما سقط، ونكاد نمد أيدينا إلى الشاشة لننتشله، لكننا لو رأيناه ينتصر في كل معركة، ويفتح كل باب دون أن يعترضه قفل، ويصل إلى المشهد الأخير دون أن نخشى عليه مرةً واحدة، لخرجنا من القاعة وقد نسينا حكايته قبل أن تنطفئ أضواؤها. فنحن، وإن تمنينا له السعادة منذ المشهد الأول، لا نعرف كم ستكون جميلة في المشهد الأخير إلا بعد أن نخشى طويلا ألا تأتي.
وهكذا كانت حكاية ميسي، كلما ظن الطفلان أن القسوة قد بلغت ذروتها، وبالغت في إيلامه حتى لم يعد في قلبه موضع لجرح آخر، جاء فصل جديد ليخبرهما أنَّ الطريق إلى الصفحة الأخيرة ما زال يخفي ما لم يقرأه.
حتى في تلك الليلة بقطر، حين تقدمت الأرجنتين بهدفين، بدا أنَّ الفرح قد وجد أخيرًا طريقه إلى وجه ميسي، وأن الرجل الذي ظل يطارده سنوات طويلة يستطيع الآن أن يستريح بين ذراعيه. لكن فرنسا عادت بهدفين في دقائق، وكأن الحزن كان يقف خلفه طوال الوقت، ينتظر أن يطمئن إلى ابتسامته قبل أن ينتزعها منه.
ثم جاء هدف ميسي الثالث، قبل أن تعود فرنسا بهدف ثالث فيبتسم، كأنه رأى وجه الحزن الذي يعرفه جيدًا، وأراد أن يقول له: أعرفك، أعرف وجهك القبيح، وكم مرةً جئتني مرتديًا قناع الفرح ثم خلعته حين اطمأننت إلى أنني صدقتك.
وكادت فرنسا أن تخطف هدفًا رابعًا في الثواني الأخيرة، وكأن القسوة أرادت أن تثبت له أنها لم تبلغ ذروتها بعد، وأن في جعبتها فصلًا آخر من الخيبة، لولا أنَّ الفرح بنى جدارًا على هيئة قدم إيميليانو مارتينيز، ليمنع الحزن من المرور، قبل أن ينتصر عليه أخيرًا بركلات الترجيح، ويتشبث بشفتي ميسي، رافضًا أن يغادرهما، فقد تعب من أن يرى نفسه على وجوه الملايين الذين أسعدهم ذلك الرجل، دون أن يجد له مكانًا على وجهه.
أراد هذه المرة أن يكون جزءًا من حكايته، وأن يرى ابتسامته على وجه ميسي، لا على وجوه الآخرين بسببه فقط، وألا يسمح للحزن بأن ينتزعها منه مرةً أخرى.
وحين رفع ميسي الكأس، اكتشف الطفلان أنَّ كل تلك السنوات التي تمنيا اقتطاعها من الحكاية، كانت خيوطًا سوداء تنسج في الخفاء ثوبًا أبيض، لم يكن ليبدو بكل هذا الجمال لولا أنها كانت فيه.
لقد صار للفصل الأخير مذاق مختلف، كانت مرارة السنوات لا تزال في حلقيهما حين وصلت الكأس، فذاقا معها شيئًا لا يعرفه من رأى النهاية، ولم يعش ما سبقها.
وما زال الألم الذي عاشه مؤلمًا، وما زالت بعض الكلمات التي قيلت له قاسية كما كانت. غير أنَّ الفرح وصل هذه المرة إلى تلك الليالي أيضًا، صار بوسع الذاكرة، كلما أعادت إليهما وجهه منكسرًا أن تكمل المشهد حتى تراه يرفع رأسه.
و ربما أدركا، بعدما كبرا، أننا أحيانًا حين نحب أحدًا، نحاول أن نختصر عليه الطريق، دون أن نعرف أن الطريق الطويل نفسه قد يمنح وصوله معنى لا يستطيع الطريق القصير أن يمنحه.
وفي ليلة وداعه للمنتخب، عاد القميص نفسه إلى الملعب. المدرجات ممتلئة، واسمه يصعد منها، والرجل الذي طالما عاد إليها محملًا بما لم يستطع تحقيقه، يقف اليوم أمام كل هذا الامتنان بعدما صار في حكايته كأس العالم والبطولات التي طاردها، وصار له في ذاكرة بلاده مكان يتسع لما هو أبعد من نتيجة مباراة.
أحب أن أتخيل الطفلين هناك، ولو كان كل واحد منهما يشاهد من مكان بعيد. ينظران إلى دموعه ويتذكران كيف أرادا يومًا أن يبعداه عن الأرجنتين كي يتوقف عن البكاء، ثم ينظران إلى كل هؤلاء الذين يبكون لأنه سيبتعد عنها.
لقد صار الرحيل الذي تمنياه له هو الشيء الذي يؤلمهما الآن.
وها هو الرجل الذي أرادا أن يخلع قميص الأرجنتين، يقف على عتبة الرحيل، بعد أن صار القميص نفسه يحمل من الأفراح أكثر مما حمل يومًا من الأحزان.
وأكاد أرى الطفلين على طرفي المحيط، يمسك كل منهما بطرف القميص، ويحاولان أن يمنعا الرجل من خلعه، وكأنهما يطلبان من الزمن الذي تأخر طويلًا في منحه الفرح، ألا يتعجل الآن في أخذه منهما.
فقد أرادا يومًا أن يغادر الأرجنتين كي لا يحزن..
أما اليوم، فيريدانه أن يبقى، ولو قليلًا، كي لا يحزنا..


Google News تابع آخر أخبار الرياضية على Google News