في عالم الاستثمار الرياضي، لا تكفي ضخامة الأرقام للحكم على نجاح القرارات، فالأهم هو توقيتها، ومصادر تمويلها، والعائد الذي تحققه، والأهداف التي تقف خلفها. وهذا تحديدًا ما يجعل خطة جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، برفع مخصصات الاتحادات الوطنية إلى 25 مليون دولار لكل اتحاد، خطوة تستحق القراءة من زاوية اقتصادية تتجاوز العنوان المعلن.
نحن نتحدث عن 211 اتحادًا وطنيًّا، ما يعني أنَّ إجمالي المخصصات قد يصل إلى 5.275 مليار دولار إذا حصل كل اتحاد على المبلغ نفسه. ووفق الأرقام المعلنة، فإن هذه الخطوة تمثل زيادة بنسبة 150%، في واحدة من أكبر خطط التمويل التي تستهدف توسيع قاعدة الاستفادة من عوائد كرة القدم عالميًّا.
اقتصاديًّا، يبدو القرار منطقيًّا في ظاهره، ففيفا تحقق إيرادات ضخمة من حقوق البث والرعاية والتسويق والبطولات الكبرى، ومن الطبيعي أن تعيد استثمار جزء من هذه العوائد في تطوير اللعبة، خصوصًا في الدول التي لا تمتلك اتحاداتها الموارد الكافية لبناء بنية تحتية رياضية قادرة على المنافسة. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس كم ستوزع فيفا، بل كيف ستُستخدم هذه الأموال، وما القيمة الاقتصادية والرياضية التي ستعود بها على اللعبة؟
فالفارق كبير بين تمويل اتحاد وطني لإنشاء أكاديميات وتطوير المواهب وبناء الملاعب وتحسين الإدارة الرياضية، وبين تحويل الأموال إلى مخصصات تُستهلك سنويًّا دون أن تترك أثرًا مستدامًا. الاستثمار الحقيقي لا يُقاس بحجم الأموال التي تُضخ، بل بقدرتها على صناعة أصول رياضية، وتوليد إيرادات مستقبلية، ورفع كفاءة الاتحادات، وتقليل اعتمادها الدائم على التمويل الخارجي.
غير أنَّ التوقيت يمنح هذه الخطة بُعدًا آخر لا يمكن تجاهله. فقد جاءت بعد تعثر مشروع بيع حصة من الحقوق التجارية لكأس العالم لمستثمرين، وما صاحبه من انتقادات تتعلق بالشفافية والحوكمة، وفي وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول مستقبل إنفانتينو، قبل انتخابات رئاسة فيفا المقررة في مارس 2027.
وهنا تصبح الأرقام أكثر من مجرد مخصصات مالية، إذ إنَّ الاتحادات الوطنية التي ستستفيد من التمويل هي نفسها التي تمتلك حق التصويت في الانتخابات الرئاسية. وهذا لا يعني بالضرورة أنَّ الخطة انتخابية، ولا يثبت أنَّ إنفانتينو يسعى إلى شراء الأصوات، لكنه يضع القرار أمام اختبار واضح يتعلق بتوقيت الإعلان، وآليات التنفيذ، وضمان استقلال القرار الانتخابي عن المصالح المالية.
في السياسة الرياضية، لا تُصنع موازين النفوذ بالتصريحات وحدها، بل تتشكل أيضًا عبر التمويل وتوزيع الموارد وبناء العلاقات طويلة الأمد. وعندما يصبح رئيس المؤسسة الدولية قادرًا على توسيع المخصصات المالية لمئات الاتحادات، فإنه يعزز في الوقت نفسه قدرة المؤسسة على التأثير في مستقبل اللعبة، حتى لو كان الهدف المعلن هو التنمية والتطوير.
المشكلة ليست في حصول الاتحادات على الأموال، بل في غياب الضمانات الكافية التي تجعل هذه الأموال أداة للتنمية، لا وسيلة لتعزيز الولاءات. فمن حق الاتحادات الصغيرة أن تحصل على فرص عادلة للتطور، ومن حق كرة القدم أن تستفيد من عوائدها التجارية، لكن من حق العالم أيضًا أن يعرف كيف تُتخذ هذه القرارات، وعلى أي أسس توزّع الأموال، وما المعايير التي ستُستخدم لقياس نتائجها.
وإذا كانت فيفا تتحدث عن خطة تمويل أوسع تصل إلى 6.35 مليارات دولار خلال دورة 2027ـ2030، فإن حجم الالتزامات يجعل الحوكمة والرقابة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فكلما ارتفعت الأموال المخصصة للتطوير، ارتفعت الحاجة إلى تقارير مالية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ومحاسبة حقيقية للاتحادات المستفيدة. أما الاكتفاء بالإعلان عن المبالغ، فلن يكون كافيًا لإثبات أن الخطة حققت أهدافها.
إنفانتينو يعرف أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تُدار داخل الملعب، بل صناعة اقتصادية تتنافس فيها الدول والمؤسسات على حقوق البث والرعاية والاستثمار والتأثير. ومن هذا المنطلق، فإن معركته على قيادة فيفا لا تنفصل عن معركة إدارة عوائد هذه الصناعة وتحديد الجهات التي تستفيد منها. لكن نجاح أي رئيس لا ينبغي أن يُقاس بقدرته على توزيع الأموال، بل بقدرته على بناء منظومة أكثر كفاءة وشفافية واستدامة.
في النهاية، قد تكون خطة إنفانتينو فرصة تاريخية لتطوير كرة القدم في الدول الأقل موارد، وقد تكون أيضًا خطوة تعزز موقعه السياسي قبل الانتخابات المقبلة. والاحتمالان ليسا متناقضين بالضرورة، فقد تحقق الخطة منفعة حقيقية للعبة، وفي الوقت نفسه تمنح صاحب القرار رصيدًا سياسيًّا. لكن الفصل بين الأمرين يتطلب شفافية في التمويل، واستقلالية في الانتخابات، ومحاسبة على النتائج.
كرة القدم في الاستثمار الرياضي لا تحتاج إلى المال وحده، بل إلى إدارة تعرف كيف تحوّل المال إلى قيمة مستدامة. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت فيفا ستمنح كل اتحاد 25 مليون دولار، بل ماذا ستصنع الاتحادات بهذه الأموال، ومن سيراقب أداءها، وهل ستبقى التنمية هي الهدف الأول عندما تقترب ساعة الانتخابات؟
نحن نتحدث عن 211 اتحادًا وطنيًّا، ما يعني أنَّ إجمالي المخصصات قد يصل إلى 5.275 مليار دولار إذا حصل كل اتحاد على المبلغ نفسه. ووفق الأرقام المعلنة، فإن هذه الخطوة تمثل زيادة بنسبة 150%، في واحدة من أكبر خطط التمويل التي تستهدف توسيع قاعدة الاستفادة من عوائد كرة القدم عالميًّا.
اقتصاديًّا، يبدو القرار منطقيًّا في ظاهره، ففيفا تحقق إيرادات ضخمة من حقوق البث والرعاية والتسويق والبطولات الكبرى، ومن الطبيعي أن تعيد استثمار جزء من هذه العوائد في تطوير اللعبة، خصوصًا في الدول التي لا تمتلك اتحاداتها الموارد الكافية لبناء بنية تحتية رياضية قادرة على المنافسة. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس كم ستوزع فيفا، بل كيف ستُستخدم هذه الأموال، وما القيمة الاقتصادية والرياضية التي ستعود بها على اللعبة؟
فالفارق كبير بين تمويل اتحاد وطني لإنشاء أكاديميات وتطوير المواهب وبناء الملاعب وتحسين الإدارة الرياضية، وبين تحويل الأموال إلى مخصصات تُستهلك سنويًّا دون أن تترك أثرًا مستدامًا. الاستثمار الحقيقي لا يُقاس بحجم الأموال التي تُضخ، بل بقدرتها على صناعة أصول رياضية، وتوليد إيرادات مستقبلية، ورفع كفاءة الاتحادات، وتقليل اعتمادها الدائم على التمويل الخارجي.
غير أنَّ التوقيت يمنح هذه الخطة بُعدًا آخر لا يمكن تجاهله. فقد جاءت بعد تعثر مشروع بيع حصة من الحقوق التجارية لكأس العالم لمستثمرين، وما صاحبه من انتقادات تتعلق بالشفافية والحوكمة، وفي وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول مستقبل إنفانتينو، قبل انتخابات رئاسة فيفا المقررة في مارس 2027.
وهنا تصبح الأرقام أكثر من مجرد مخصصات مالية، إذ إنَّ الاتحادات الوطنية التي ستستفيد من التمويل هي نفسها التي تمتلك حق التصويت في الانتخابات الرئاسية. وهذا لا يعني بالضرورة أنَّ الخطة انتخابية، ولا يثبت أنَّ إنفانتينو يسعى إلى شراء الأصوات، لكنه يضع القرار أمام اختبار واضح يتعلق بتوقيت الإعلان، وآليات التنفيذ، وضمان استقلال القرار الانتخابي عن المصالح المالية.
في السياسة الرياضية، لا تُصنع موازين النفوذ بالتصريحات وحدها، بل تتشكل أيضًا عبر التمويل وتوزيع الموارد وبناء العلاقات طويلة الأمد. وعندما يصبح رئيس المؤسسة الدولية قادرًا على توسيع المخصصات المالية لمئات الاتحادات، فإنه يعزز في الوقت نفسه قدرة المؤسسة على التأثير في مستقبل اللعبة، حتى لو كان الهدف المعلن هو التنمية والتطوير.
المشكلة ليست في حصول الاتحادات على الأموال، بل في غياب الضمانات الكافية التي تجعل هذه الأموال أداة للتنمية، لا وسيلة لتعزيز الولاءات. فمن حق الاتحادات الصغيرة أن تحصل على فرص عادلة للتطور، ومن حق كرة القدم أن تستفيد من عوائدها التجارية، لكن من حق العالم أيضًا أن يعرف كيف تُتخذ هذه القرارات، وعلى أي أسس توزّع الأموال، وما المعايير التي ستُستخدم لقياس نتائجها.
وإذا كانت فيفا تتحدث عن خطة تمويل أوسع تصل إلى 6.35 مليارات دولار خلال دورة 2027ـ2030، فإن حجم الالتزامات يجعل الحوكمة والرقابة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فكلما ارتفعت الأموال المخصصة للتطوير، ارتفعت الحاجة إلى تقارير مالية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ومحاسبة حقيقية للاتحادات المستفيدة. أما الاكتفاء بالإعلان عن المبالغ، فلن يكون كافيًا لإثبات أن الخطة حققت أهدافها.
إنفانتينو يعرف أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تُدار داخل الملعب، بل صناعة اقتصادية تتنافس فيها الدول والمؤسسات على حقوق البث والرعاية والاستثمار والتأثير. ومن هذا المنطلق، فإن معركته على قيادة فيفا لا تنفصل عن معركة إدارة عوائد هذه الصناعة وتحديد الجهات التي تستفيد منها. لكن نجاح أي رئيس لا ينبغي أن يُقاس بقدرته على توزيع الأموال، بل بقدرته على بناء منظومة أكثر كفاءة وشفافية واستدامة.
في النهاية، قد تكون خطة إنفانتينو فرصة تاريخية لتطوير كرة القدم في الدول الأقل موارد، وقد تكون أيضًا خطوة تعزز موقعه السياسي قبل الانتخابات المقبلة. والاحتمالان ليسا متناقضين بالضرورة، فقد تحقق الخطة منفعة حقيقية للعبة، وفي الوقت نفسه تمنح صاحب القرار رصيدًا سياسيًّا. لكن الفصل بين الأمرين يتطلب شفافية في التمويل، واستقلالية في الانتخابات، ومحاسبة على النتائج.
كرة القدم في الاستثمار الرياضي لا تحتاج إلى المال وحده، بل إلى إدارة تعرف كيف تحوّل المال إلى قيمة مستدامة. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت فيفا ستمنح كل اتحاد 25 مليون دولار، بل ماذا ستصنع الاتحادات بهذه الأموال، ومن سيراقب أداءها، وهل ستبقى التنمية هي الهدف الأول عندما تقترب ساعة الانتخابات؟